جلست ذات مساء من حرب كانون
الثاني 2009 التي مازالت مستمرة على قطاع غزة إلى جانب جدتي التي مازالت اشتم فيها
رائحة الأرض (رائحة البلاد كما نقول بالعامية الفلسطينية ) حيث عاشت وجدي وأبي في بلدة عاقر في قضاء
الرملة وما زالت تأمل بالعودة إليها مع أحفادها ذات يوم ... شغلت لها مولد الكهرباء بما تبقى لدينا من وقود
وأردت أن أرفع من معنوياتها من خلال
مشاهدة التلفزيون لعلها ترى عربا وعدونا بتحرير
القدس " يا قدس إنا قادمون
" ولكنها يومها لم تراهم للأسف بل رأت
فضائية عربية مازالت تصر هي وبعض من زميلاتها من الفضائيات العربية على ممارسة سياستها
المعتادة في ديماغوجية الإعلام الفارغ ، الذي ما تندلع حرب في منطقتنا إلا وتراها
تستضيف هذا الخبير العسكري والاستراتيجي أو ذاك ، فيفرد للخبير خريطة لقطاع غزة حيث
تأمل المذيعة الجميلة في تلك القناة
الفضائية أن يبدأ بالحديث عن المعركة وموازين القوى والخطط العسكرية ولكنه يهرب من
الموضوع و يلجأ للحماسة والخطابة ودعوة سكان قطاع غزة مدنيين ومقاتلين للصمود
وتنطلق حنجرته في الصداح وعندما ترتفع درجة حرارته بفعل الحماسة المفرطة يحمر وجهه و تتجمع رغوة بيضاء في أطراف فمه ، وعند
إلحاح المذيعة عليه للعودة للموضوع يقول لها لحظة شوي بس أكمل كلامي.... و يواصل خطابه دون توقف وعندما ينتهي الوقت
المخصص ينظر إليها ربما مستفسرا إن كان خطابه قد أعجبها أم لا فهو ينتظر الثناء
ومن الواضح أنه لا يفقه شيئا بتكتيكات الحرب فكل حروبهم
كانت فاشلة وهم وزعمائهم السياسيين سبب بلاء هذه الأمة.......... ويحتار أبناء قطاع غزة المحاصر
والذين تقذف حمم البراكين القادمة من الجو فوق رؤوسهم وهم يرون أبطال الفضائيات من
رجال دين ومحللين سياسيين وعسكريين يحضونهم على الصمود ... ؟! يحتارون في تفسير كلمة
صمود والتي تبدو خالية من أي معنى في مثل حالهم.. ما لمطلوب منا ماذا يعني أن نصمد وهل نحن في
مواجهة سيوف وخناجر وهو ما يتطلب منا شجاعة
ومرابطة في مواجهتها ، حتى تأتي قوات النجدة العربية أو الإيرانية لتساعدنا على
عدونا وندحره معا ...؟؟!! و لأن الأمر لا يبدو كذلك
ولأن قطاع غزة سيقاتل لوحده حتى الرمق الأخير، ولأن غزة وحدها كتب عليها أن تباد
كي لا تسقط راية الله أكبر وتبقى عالية خفاقة في عنان السماء... أن هذا العدوان البربري
الهمجي وفق الإستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية يتجاوز موضوع إطلاق الصواريخ و الحصار
و المعابر ويتجاوز الغذاء والدواء والحكومة الراشدة في غزة، والحكومة الوطنية
العلمانية في رام الله هذه الحملة تعني في ما تعني تصفية القضية الفلسطينية وحل
القضية على حساب جيران فلسطين مصر والأردن أن الهدف المباشر للعدوان سواء أعجب هذا
الكلام البعض أو لم يعجبه هو القضاء على الكيانية الفلسطينية بكل ما تحتويه من
قرار فلسطيني مستقل ومقاومة وطنية فلسطينية شريفه والتي وللأسف يلتقي الصديق مع العدو
في هدف ، القضاء عليها حيث هي ربما تمثل الانجاز الأهم خلال الأربعين سنة الماضية من عمر النضال الفلسطيني. قالت لي جدتي يومها وهي
صاحبة الخبرة الطويلة في الصراع العربي الإسرائيلي لماذا يطلبوا منا الصمود وهل
سنهرب وإذا هربنا إلى أين....لا مفر.......يا بني لماذا يدعوا هؤلاء أهل غزة إلى
الصمود أليس الصمود أن نبقى في بيوتنا وأن لا نغادرها كما فعلنا عام 48 نحن صامدون شاءوا أم أبوا ، وشئنا أم أبينا ، لأن
الناس قابعون في بيوتهم حيث لا بيوت أخرى يذهبون إليها هي بيوتهم وهي ملاجئهم وهي قبورهم ، لا مكان
أمن في غزة لا بيت ولا حديقة و لا مدرسة ولا مسجد كل شيء معرض للدمار كل شيء معرض
للقتل طفل كان أو رجل ، مقاتل كان أو مدني لا حصانة لسيارة مدنية أو سيارة إسعاف
.... ويحدثونك عن الاستبسال
وعن التضحيات لا تحدثونا نحن نحدثكم، نحدثكم كيف أن مقاتلا لم يرى في السماء طائرة
عربية أو إسلامية تحميه فاحتمى وراء متراس من الحجر أو من البشر ، متراسه بيته أو
بيت أخيه أو بيت جاره الذي يحبه ويعشقه كما تعشق وتحب الأم طفلها ، لا متراس نختبئ
وراءه يا وحدنا ، يا وحدنا ، هذه المعادلة الفلسطينية
التي لم تتغير رغم كرر السنون . تصمت جدتي وتصغي السمع
تنظر في عيني حفيديها وتظل تنظر تمر الساعات يتقلب الليل مع النهار وهي تحتضن هذا وذاك........... غزة فجرا : أصوات قذائف المدفعية
تنطلق بكثافة تجاه شواطئ بحر غزة تدمر هدفا على الشاطئ سيارة مدنية ربما هاهو
الدخان الأسود يتصاعد من المكان ، لحظات تمر ، لا سكون هنا ، بل هدير الطائرات من
كل الأنواع طائرات الاستطلاع تزن طوال الوقت في أجواء مدينة غزة ، لحظات وتظهر
فجأة طائرات الهليكوبتر أصوات مراوحها تخلق حالة من الرعب في ليل غزة المظلم حيث
لا كهرباء لليوم الثاني عشر على التوالي ، ظلمة الليل تجعل الأطفال يتيبسون خوفا ورعبا
.... يقترب الأطفال من آبائهم و من
أمهاتهم عناق واحتضان أنها ساعات الوداع، ساعات انتظار الموت القادم من السماء أو
من البحر أو من البر لا يهم هو موت وحسب، نهاية أحلام وبدايات فجر جديد لا بد أنه
قادم من وسط الركام والدخان والجثث المحروقة ..... غزة ظهرا وعصرا: الناس في الشوارع في
ذهاب وإياب أنهم يتفقدون أحوال أقاربهم جيرانهم، يذهبون لشراء الخبز يقفون في
طوابير طويلة لساعات وساعات لشراء كيلو غرام واحد من الخبز ، المحلات التجارية
فارغة لا سكر لا أرز لا مواد غذائية ، لا وقود ، برد وألم وخوف ، وهنا وهناك سرادق
عزاء ، نساء تبكي في الشوارع تبحث عن أبنائها ، مشاهد تقطع القلوب ، وتجعل الأفئدة
تصل إلى الحناجر ...الطائرات تقصف من جديد ضربت منزلاً لحمساوي ، قتل مع أفراد أسرته السبعة ولكن
الحمساوي لم يستشهد وحده لقد دمرت في الجوار ونتيجة القصف بيوت عشرة فتحاويين وقتل
شخص ينتمي للجبهة الشعبية كان ماراً بالصدفة من ذات الشارع أنها حرب على الكل
الفلسطيني وليست حربا حمساوية – إسرائيلية كما يدعون . غزة ليلا : تحل الظلمة من جديد ،
طائرا ت F16 تشق الصمت ، انفجار هنا انفجار هناك ترتجف العمارات
السكنية وترتجف معها القلوب تلقي الطائرات قنابل تزن الوحدة منها أكثر من طن من
المتفجرات مدمرة العمارات السكنية والمساجد والمدارس ورياض الأطفال لا فرق كلها
أهداف عسكرية ، في عتمة الليل تطلب قوات الاحتلال من سكان منطقة سكنية في تل الهوى
أخلاء بيوتهم لأنها ستقصف عشرات العائلات
تخرج بأطفالها وبما خف حمله في صقيع الليل تملأ ساحة أمام المبنى وتنتظر
طوال الليل ولكن لا تقصف البيوت ، يعود السكان بعد أن يكونوا قد تشاهدوا وبكوا على
بيوت كانوا قد دفعوا دم قلوبهم ثمنها وبعضهم ما زال لم يكمل أقساطها بعد ، الحمد
الله تقول امرأة اللهم اعمي قلوبهم عن بيتنا وأخرى تقرأ آية الكرسي وثالثة تدعوا
الله أن يحمي منزلها وأخرى تدعوا على اليهود وثالثة تمتم بعبارات غير مفهومة تلعن
بها جهة ما .... ورابعة تدعوا للمقاتلين بالنصر....... غزة فجرا وظهرا وعصرا
ومساء وفي هزيع الليل ، مقاتلون من كل الفصائل يبتسمون للموت يتسابقون للتضحية
بحياتهم لا من أجل حكومة أو سلطة أو علم لفصيل أو لجماعة ما أو لمحور ما أو لدولة
بعيدة أو قريبة يدافعون عن ثرى وطنهم تاركين أحقادهم الداخلية التي خلقتها حالة
الانقسام في قلوبهم ، يتقاسمون فيما بينهم كسرات من الخبز فيما قسم الله لهم من طعام
، عيونهم تتفرس في العتمة باحثة عن هدف ،
قصف شديد تجاههم يحتمون ببعضهم بعضا يتبادلون النكات ، يتحدثون عن البطولات ... العدو لا يتقدم سوى أمتار
تنهال عليه قذائف الاربي جي ينسحب تعود الطائرات لتقصف من جديد ، صمود بطولة خوف
ورعب استبسال موت وحياة هذا هو حال قطاع غزة من الجنوب إلى الشمال ...يصيح شيخ في
عتمة الليل مخاطبا جاره الذي أدمن الاستماع إلى المذياع .... هل لديك معلومات عن جبهات عربية ستفتح لدعمنا
قريبا ؟؟!! يضحك الجار لا يا جار كل ما نسمعه مجرد تحليلات صحفية وتبرع بالدم من
الملوك والزعماء وإمدادات طبية ...يضحك الشيخ ويقول : وكأن هذا هو عمل الملوك والرؤساء....ماذا
تركوا للجماهير إذا كان هذا هو حال الملوك ...المطلوب فتح جبهات داعمة المطلوب
الضغط على صديقتتهم إسرائيل وحليفتهم
أمريكا وحلفائهم الغربيين ، المطلوب من محور الممانعة والمقاومة هذا إذا كان هناك
محور كهذا حقيقة أن يثبت أنه محور ممانعة
ومقاومة وليس تصريحات لفظية ودعوات بالنصر وتمنيات ومزايدات لفظية . أعود لجدتي فأراها تخاطب
شخصا ملتحيا بدا على إحدى الشاشات الفلسطينية من دولة عربية ما وتقول له : لا
تقولوا لنا اصمدوا وأنتم لا تفعلون شيء
لتعزيز صمودنا لأننا صامدون طوعا وكرها ، ولكن قوموا أنتم بدوركم أفعلوا شيئا ترضوا به ربكم إن كنتم
مؤمنين أو أرضو به ضمائركم إن كنتم ملحدون أو أرضوا به عزتكم وانتمائكم لهذه الأمة
العربية إن كنتم عروبيين أو قوميون الكلام لن يفيد أهل غزة شيء في محنتهم ما يحدث
ليس لعبة كرة قدم بين فريقين متكافئين ما يحدث هو مجزرة هو مذبحة وقودها البشر
والحجر والشجر، لن تستطيع غزة لوحدها قتل النفس المهزومة والمرعوبة في داخلكم
تمردوا على النفس المكسورة المرتجفة فيكم و أهزموا خوفكم وانتصروا بتحرير
إرادتكم وانصروا غزة بالمال وبالعتاد وبكل ما يعزز صمود أهلها ومقاتليها فإن سقطت
غزة سقطت كرامتكم وفقدتم عزتكم ... تركت جدتي تعيش في
أحلامها وتركت أطفالي يستمعون إلى ما مرت به هذه الأرض من نكبات منذ أنشئت إسرائيل
وإلى تفنى وهو ما تأمل به جدتي والشيخ نصر الله واحمدي نجاد ....وغيرهم ولكنها لا ترى في الأفق
فارس يركب على حصان أبيض حاملاً سيفه محررا للقدس ، فليس في الأفق غير دخان أسود
ينبعث من أماكن القصف ، وهنا وهناك عويل أمهات ثكلى وتكبير لمقاتلين لم يتجاوزا
العشرين وأمل بالوحدة وأخر بالنصر والتحرير ...
الثلاثاء, 13 يناير, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








