الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

هل السلام ( خيار ) أم هدف كفاحي للعرب والفلسطينيون ؟؟


تتردد على مسامعنا كل يوم تقريبا عبارتين بشكل مثير وهما ' خيار السلام ' و  ' هجوم السلام ' ... عبارات تتكرر على لسان أكثر من مسئول عربي و يرددها الكثير من عامة الناس سواء كانوا من أهل الاختصاص أو من جماهير الأحزاب الحاكمة في بلادنا العربية وقد أصبحت هذه العبارات مع مرور الزمن مسلمة ومفردة سياسية راسخة و جزء ثابت من أي حديث يتداول بشأن مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي بين أولئك المؤيدين للتسوية السلمية والمعارضين لها ...

يرددونها دون تمحيص دون تدقيق كالمسلمين في هذه الأيام الذين يحفظون القرآن كالشعر دون التأمل في مضمونه .....

وهي عبارات تستحق الوقوف عندها تفسيرا وتحليلا كون جزءً مهما منا يعتبرها خالية من المنطق بينما يراها البعض الأخر هي المنطق بعينه وما دونها جنون ومغامرات وسفك دماء بريئة ......

وهنا لا بد من الإشارة أولاً أن السلام لم يكن يوما خيار من الخيارات الكفاحية لأي امة من الأمم خصوصا تلك التي تخضع للاعتداء والاحتلال والاحتلال الاحلالي العنصري ...

لأن السلام ببساطة هو هدف ، هدف تسعى إليه شعوب الأرض قاطبة التي تعيش الحروب أو التي تخلصت منها منذ زمن ،،، والفارق كبير بين المعنيين ، فالمقاتل الذي يحمل سلاحا ويقتل عدوه والمفاوض الذي يرتدي ربطة عنق ويحمل حقيبة دبلوماسية كلاهما يسعى من أجل السلام .

المقاتل يقتل عدوه حتى يثبت له ومن خلال القوة أنه يجب أن يخضع لإرادته ويقبل بشروطه للتفاوض على الانسحاب أو الاستسلام والمفاوض يستثمر ما قام به المقاتل على الأرض ويحوله إلى إنجاز سياسي .

العلاقات الدولية تتمثل بشخصين قد يعتقد البعض أنهما متضادين أو مختلفين ولكنهما في الحقيقة صورتان لعملة واحدة الجندي أو المقاتل والدبلوماسي أو المفاوض أحدهما يكمل الأخر ولا يستغني أحدهما عن الأخر أبدا ...وعندما نقول أبدا فنحن نعني ما نقول فالحياة الدولية هي صراع ، صراع من أجل البقاء كما هي حياة الإنسان وحياة الغاب كل منها له نظامه وآلياته وأدواته و وسائله فإن التخلي عن السلاح مهما كان بسيطا وبدائيا سيؤدي إلى خلل قد يدمر الطرف الذي تخلى عنه ويجعله تحت رحمة الأخر وشروطه ونزواته .

ومن هنا فإن عبارة هجوم السلام أو خيار السلام كهدف استراتيجي هي عبارات غير منطقية من حيث الصياغة اللغوية إلا إذا كانت تخفي في مضمونها مغزى أخر غير الظاهر ..

وهذا المغزى ببساطة شديدة يعني أن المقصود هنا هو  خيار ' المفاوضات السلمية ' بمعنى أن لا حل عسكري للصراع وعليه فإن ' خيار المفاوضات ' والمفاوضات فقط هو الطريق المؤدي إلى استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية المغتصبة .

هذا هو التفسير الأولي والمباشر لهذه العبارات ..
ولكن التفسير الثاني يشير إلى هدف أخر يراه البعض بالخطير يقف من وراء استخدامها وهذا الهدف يتمثل في رؤية لدى تيار حاكم يوصف أحيانا بالمتصهين يقول بأن السلام بين العرب واليهود (الصهاينة ) هو خيار استراتيجي بمعنى أن بقاء إسرائيل واستمرار وجودها  هو خيار عربي وفلسطيني ، وأن إسرائيل ستبقى حقيقة واقعة أزلية (إستراتيجية ) يتعهد العرب بالحفاظ عليها وإدامتها ...والعيش بجوارها في سلام دائم .

وكل تفسير من هذه التفاسير له ما يبرره فإن استخدام عبارة السلام خيار استراتيجي تدل على أن الأطراف العربية تقبل مختارة أي بمحض إراداتها وجود إسرائيل ، بمعنى أن هذا الأمر ليس مفروضا عليها  بحكم الأمر الواقع الذي يتمثل بعدم قدرة العرب على إلحاق هزيمة شاملة بإسرائيل بفعل عوامل القوة التي تقف خلفها أي الولايات المتحدة وأوروبا ، بل أن  العرب يؤكدون صباح مساء أنهم وبمحض إرادتهم الحرة والمتحررة من القيود والعقود يقبلون به كخيار استراتيجي وهو ما يعني إلغاء أي خيار أخر موازي أو مكمل لهذا الخيار، أي  خيار الحرب أو الكفاح المسلح أو الجهاد...

·       ولكن  لماذا يقدم العرب على ذلك ؟

الجواب : لأن الحرب هي نقيض السلام وكون السلام خيار استراتيجي فتلقائيا الحرب يجب أن تختفي .

والسؤال هو متى تنتهي الحرب ؟؟

إذا سئلنا أي طفل عانى من ويلات الحروب فسيقول لنا عندما يعم السلام ...

 ومتى يعم السلام ؟؟ الجواب : يعم السلام عندما تضع الحرب أوزارها ... وإذاً السلام يأتي بعد الحرب  أي بعد الصدام المسلح ، أو الجهاد المسلح ، أو النضال المسلح ، أو الصراع المسلح ، أو الكفاح المسلح .

·       يعم السلام عندما يُخضع طرف من أطراف الصراع الطرف الأخر لإراداته عبر هزيمته عسكريا ، هكذا حصل في نهاية الحرب العالمية الأولى وهكذا حصل عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وهكذا حصل في نهاية الحرب الفيتنامية ونهاية الحرب الجزائرية .

والسؤال لماذا فلسطين استثناء من كل هذا ؟؟

أعتقد أن الجواب على هذا السؤال ليس صعبا !!

بالمنطق الأمريكي والإسرائيلي والرسمي العربي الحرب انتهت وانتصرت فيها إرادة طرف على الأطراف الأخرى ليس في مرة واحدة بل في مرات عدة أقصد هنا انتصار الطرف الإسرائيلي المدعوم أمريكيا .

من هنا فإن السلام هو خيار الطرف المهزوم وهو خيار استراتيجي كون العرب وصلوا إلى قناعة نهائية وأبدية أنهم لن يستطيعوا هزيمة إسرائيل عسكريا لا اليوم ولا في المستقبل القريب أو البعيد ...

وعليه لم يبقى أمامهم إلا استجداء صلح أو سلام  معها يتلاءم وظروفها وشروطها كون المنتصر هو الذي يملي شروطه على المهزوم .

·       أليس هذا ما حدث ويحدث حتى الآن .

هذا ما تقبله الحكومات وترفضه الشعوب فهذا الطرح لن يقبل به عربي واحد اقصد بذلك العربي الإنسان وليس العربي الحاكم فكل عربي حر يقول نحن لم نهزم بل هزمنا إسرائيل في الجولان عام 1973 وهزمناها في لبنان1982-2000-2006  وأدميناها في فلسطين 1987- 2003 ومهما فعلت لن تكسر إرادة المقاومة .

·       ولو كنا مهزومين لكان الوفد الفلسطيني المفاوض قد قبل بكل ما يطرح عليه إسرائيليا ولكنه مازال صامد ومازال بإمكان العرب التلويح بإلغاء مبادرتهم للسلام أو وقف هجوم السلام العربي تجاه إسرائيل .

وعليه فإن كل ما يقال عن خيار السلام وهجوم السلام هي مجرد كلمات ، كلمات بلهاء ،كلمات جوفاء ،فقاعات في الهواء ،  فارغة ، عارية من أي مضمون ،  بحاجة إلى إعادة صياغة ، بحاجة إلى تغيير ، بحاجة إلى رد اعتبار ، فهي لا تصلح ، لا تصلح لشيء ، لا تصلح إلا كبادرة حسن نية ، وهي بادرة حسن نية لطرف سيء النية ، لطرف يرفض السلام ويكره مضمونه ويسعى كل يوم إلى تدميره .

على الساسة العرب في قمتهم القادمة في دمشق أن يغيروا خطابهم وتعبيراتهم فبدل استخدام عبارة السلام خيار استراتيجي عليهم استخدام عبارة  'السلام هو هدف استراتيجي للأمة العربية ' ، هدف استراتيجي دون زيادة ولا نقصان ، وأن المفاوضات هي خيارنا طالما كان هناك أمل في تحقيق سلام من خلال المفاوضات وإلا فإن كل الخيارات كانت وستبقى مفتوحة لامتنا في مواجهة أعدائها ...

د. علاء أبو عامر

كاتب ومفكر و خبير في العلاقات الدولية – يقيم في مدينة غزة

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية