البارحة رقص الفلسطينيون في شوارع غزة وهللوا ، و وزعوا الحلوى هذا المشهد تكرر في شوارع بيروت ومخيمات لبنان وبعض قرى الجنوب وكذلك في أحياء ومخيمات سورية ومخيمات الأردن أيضا ، بل ولدى سكان الضفة الغربية المحتلة ولو من دون أهازيج في الشوارع بل عبر الفرح المنزلي والاتصال بالأصدقاء للتهنئة من خلال الهاتف والماسينجر هؤلاء الفلسطينيون لم يكونوا عناصر من حركة حماس والجهاد الإسلامي فقط بل كان أغلبهم أنصار وأعضاء حركة فتح التي يرأسها الرئيس محمود عباس .هل هذه المشاعر الجياشة والملتهبة بالفرح لقتل عدد من الصهاينة في القدس الغربية المحتلة تعني أن المجتمع الفلسطيني كفر بالمفاوضات والحل السلمي ويريد أن يشعل انتفاضة ثالثة ؟؟
وهل يعني هذا أن خط حركة حماس والجهاد الإسلامي والمتطرفون في حركة فتح ' من عناصر كتائب شهداء الأقصى ' هم المعبرون الحقيقيون عن نبض الشارع وليس الرئيس عباس وفريقه المفاوض ..؟؟!!
قبل الإجابة على هذه التساؤلات علينا طرح السؤال التالي وهو لماذا اندلعت انتفاضة الأقصى في العام 2000 هل كانت لدى الفلسطينيين في ذلك الوقت رغبة في الانتقام من إسرائيل لقتل أحد ما من قياداتهم ...؟؟!!
الجواب : لا
السبب المباشر كما هو معروف هو تدنيس الإرهابي شارون لباحات المسجد الأقصى ، ولكن السبب غير المباشر لاندلاع الانتفاضة هو فشل عملية التسوية والمفاوضات في كمب ديفيد 2 حيث أن الفلسطينيون توصلوا في ذلك الوقت قيادة وشعبا وفصائل سياسية إلى نتيجة مفادها أن طريق المفاوضات مسدود بفعل التصلب الإسرائيلي وانحياز الراعي الأمريكي وأن طريق أوسلو لن تعطيهم دولة واستقلال لذا قرروا اللجوء إلى الثورة الشعبية ، حجارة ، فبنادق ، فأحزمة ناسفة .... الخ و رغم مرور ثماني سنوات على ذلك الحدث فإنه ما زال مستمر ولو بأشكال متغيرة .......
و اليوم وكما هو واضح فإن المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي تواجه طريقا مسدودا أخر والشعب الفلسطيني يعيش أسوء ظروف عرفها على مدى عقود ، بل ربما هو الاسوء على الإطلاق منذ عام 1967 بحسب وصف المنظمات الإنسانية البريطانية وهذا يعني أن الظروف مهيأة من جديد لاندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة..... لماذا ؟؟
لأن المفاوضات التي تجري مع الطرف الإسرائيلي بعد مؤتمر أنابوليس فاشلة ولن تؤدي إلى نتيجة وهذا ليس استنتاج منا ، بل هي حقائق أفصح عنها أحمد قريع ' أبو العلاء ' وياسر عبد ربه ، وصائب عريقات بل والرئيس محمود عباس شخصيا .
وبذلك فإن ما شاهدناه من تحرك جماهيري عبر المسيرات والاحتجاجات في الضفة الغربية (مدن وقرى ومخيمات ) أثناء العدوان على غزة كان بمثابة بداية لتجمع كرة اللهب التي لولا وقف المجازر وانسحاب الدبابات لكبرت ونمت وتدحرجت لتشمل كل حي وحارة وزقاق في قرى ومدن الضفة الغربية وبعض مناطق العام 48 .......لقد توقف القتال ليس بفعل استبسال المقاومة كما ذكرت بعض وسائل الإعلام بل بفعل عاملين رئيسين دخلا في ساحة الصراع الذي كان مندلع في غزة وهما تعليق الرئيس عباس للمفاوضات والثاني الهبة الجماهيرية لسكان الضفة الغربية المحتلة .
ومن الواضح أن القادة الإسرائيليون تلقوا تلك الإشارة المنبعثة من شوارع الضفة الغربية والقدس الشرقية و خمنوا نتيجة ما سوف يحدث لو استمر الهجوم ل 3 أيام أخرى فبتصورنا ما كان سيحدث هو انتفاضة ثالثة بكل ما للكلمة من معنى .
أن وقف المفاوضات من قبل السلطة الفلسطينية واشتراط الرئيس عباس وقف العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وغزة واشتراط استئنافها بالاتفاق على تهدئة شاملة يُنبأ بتحول استراتيجي لدى القيادة الفلسطينية و بالتالي لدى الفريق المفاوض الفلسطيني يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تبني سياسة جديدة شبيهه بتلك التي كان يديرها ياسر عرفات وهي تجيير الكفاح المسلح والمأساة الفلسطينية كأوراق ضغط في لعبة المفاوضات .....وليس الركون إلى النوايا الإسرائيلية والوعود الأمريكية كما كان يحدث حتى الآن .
ولكن أين هي العقدة ؟ ولماذا يقابل الصهاينة اليد الممدودة بغصن الزيتون من قبل الفلسطينيون والعرب بهذا الرفض والاستهتار بل والاستفزاز المتكرر ؟؟!!
الجواب بديهي لكل من يفهم طبيعة السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة فهذه السياسة كانت ومازالت تسير وفق قاعدة الحفاظ على ' الوضع الراهن ' أي ألا حرب ولا سلم فإسرائيل تريد استقرار ولا تريد سلام لأنه في السلام بحسب المفهوم العربي انسحاب إسرائيلي من القدس المحتلة وكذلك حق العودة للاجئين و تفكيك للمستوطنات وحدود وأجواء ومياه ذات سيادة فلسطينية ......الخ .
وهذا يعني بحسب الفهم الصهيوني حرب أهلية في إسرائيل وتفكيك للدولة وقطع أواصر الدعم من قبل اللوبي الصهيوني اليهودي والمسيحي الصهيوني عبر العالم .......وهذا ما لا يرغب به قادة إسرائيل .
لذلك سيواصلون العب في الوقت الضائع واستنزاف الفلسطينيون والعرب إلى ما لانهاية على القاعدة التي أقرها إسحاق شامير فاوضهم مائة عام ولا تعطهم شيء ..
نهاية إسرائيل الدولة بحسب ناحوم غولدمان رئيس الوكالة اليهودية الأسبق يتقرر في معركتين الأولى السلام الشامل والثاني الحرب الشاملة وبقاءها يعتمد على الخيار الثالث وهو ألا حرب وألا سلم .. وهذه حالة مستمرة منذ العام 1948 وهي سبب وجود وبقاء إسرائيل حتى يومنا هذا وستستمر بالوجود طالما حافظت على هذه القاعدة .
ياسر عرفات كان من أكثر المقتنعين بهذه النظرية لذلك عندما خذله العرب في الحرب لجئ إلى هجوم السلام وأراد سلاما شاملا وعادلا ودائما ولكن الصهاينة حافظوا على مبدئهم فقتلوا رابين وقتلوا عرفات ...
وطالما بقي الوضع على حاله فسيبقى الصراع أيضا على حاله ، صدام ، فتهدئة ، فصدام ، فتهدئة ..... وهكذا إلى أن يتغير الواقع العربي والدولي وتزف ساعة الحرب الشاملة التي تعرف إسرائيل إنها قادمة لا محالة من هنا يمكننا أن نفهم لماذا يجب أن تُجرد الفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني من السلاح ولماذا دُمر العراق ولماذا يُحظر على إيران امتلاك السلاح النووي ولماذا يجب على سوريا دخول بيت الطاعة الأمريكي ولماذا يجب تكسير الأنظمة الوطنية العربية وإشغالها بالوضع الداخلي عبر الصراعات بين العلمانيين والمتدينين...
إن الإستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية التي نجحت جزئيا حتى الآن في تفكيك عوامل القوة الفلسطينية من خلال فصل غزة عن الضفة الغربية سياسيا واقتصاديا و اجتماعيا في غزة من خلال زرع شرخ عميق في العلاقات الأسرية والمجتمعية بين أولئك المنتمين لفتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية من جهة وحركة حماس والجماعات الدينية التابعة لها من جهة أخرى ... ستنتصر طالما بقيت حماس وفتح ترفضان الحوار والاتفاق على تقاسم السلطة ضمن المبدأ الديمقراطي القائل بانتخابات جديدة رئاسية وتشريعية مبكرة كمخرج للازمة الراهنة ... وطالما ظل بعض العرب ينادون بالمفاوضات كخيار استراتيجي وحيد لتحقيق السلام مع إسرائيل لأن الحكمة العربية تقول الحق محتاج لقوة علشان تقدر تحميه ولن يتحقق السلام مع إسرائيل طالما بقي العرب على حالهم لقد انتصرت كافة حركات التحرر الوطني في العالم من خلال التقيد بقاعدة فاوض وقاتل أو العكس ولا يوجد في التاريخ انتصار لشعب على محتله بالمفاوضات فقط السلام ليس خيار استراتيجي ، السلام هو هدف استراتيجي لكل شعوب الأرض ويمكن الوصول إليه عبر الحرب من خلال إخضاع العدو لإرادة المنتصر وعبر المفاوضات من خلال توازن القوى الإقليمية والدولية الداعمة لكل طرف من أطراف الصراع أما الضعفاء من أمثالنا فعليهم الجمع بين قاعدة قاتل وفاوض أو فاوض وقاتل حتى يستيقظ ضمير العالم من سباته ويحق الحق .........
الدكتور / علاء أبو عامر
خبير في العلاقات الدولية ، يقيم في مدينة غزة
الجمعة, 28 مارس, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








