د. علاء أبو عامر أستاذ العلاقات الدولية – غزة
منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 وقادة الكيان الصهيوني يدعوُن أن حروبهم مع العرب هي حروب وجود وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على العقدة النفسية المتأصلة لدى المستعمر بأن وجوده في أرض غريبة ليست له ، محل سؤال ويخضع لموازين القوى ونتائج المعارك على الأرض وهذه المعادلة هي معادلة فريدة من نوعها ومن الصعوبة بمكان إيجاد حالة شبيه لها على المستوى الدولي إذ لا يوجد دولة أو كيان سياسي أخر في العالم ينظر إلى صراعه مع محيطه على أنه صراع من أجل البقاء حيث أن كل معارك وحروب الدول والشعوب هي معارك إما من أجل الدفاع عن الاستقلال أو معارك وحروب لتوسيع النفوذ السياسي في المنطقة المجاورة أو هي حروب بهدف اقتصادي أو لخلافات قديمة على الحدود ...الخ ولكن حروب إسرائيل إن كانت هي المُهاجمة أو المهاجمِة هي وفق وجهة نظر قادتها وسياسييها هي حروب من أجل البقاء. وهذه التعابير هدفها وفق وجهة نظر البعض من المهتمين بالشأن الصهيوني هو تعزيز الجبهة الداخلية لدى المستوطنين اليهود في دولة الاحتلال ، حيث تجعلهم يتحملون ويلات الحرب ويستبسلون في الدفاع عن كيانهم ، الذي هو بشكل أو بأخر يمثل وطناً لهم ، خصوصا لدى الأجيال الجديدة الشابة التي ولدت على أرض فلسطين ، والتي هي في نفس الوقت ، وفي أغلب الأحيان تحتفظ بجنسية البلد الأصلي الذي قدم منه أبائها وأجدادها ، وتُفرز في داخل الكيان العنصري بحسب انتمائها الأثني سفارديم أو اشكناز ، أو التصنيف القومي روسي ، بولندي ، عربي ، إيراني ...الخ وربما يكون الهدف من هذه التصريحات أيضاً ، هو الخارج أي المحيط الدولي من خلال التأثير على داعمي الكيان و وجوده من المسيحيين الصهاينة في دول الغرب والولايات المتحدة تحديدا ، حتى يجندوا للضغط على حكوماتهم وصانعي القرار في بلدانهم لتقديم الدعم السياسي والعسكري والإعلامي والمالي لإسرائيل ، وإنقاذها من الهزيمة ، وهو ما شاهدناه في حرب أكتوبر عام 1973 وحرب لبنان الأخيرة عام 2006. ومع أن وجهات النظر هذه لها وجاهتها ، و ربما تعبر عن الواقع في كثير من الأحيان ، ولكن في حقيقة الأمر و بحسب اعتقادنا يوجد سبب أخر للتصريح بمثل تلك العبارات ، ألا وهو أن وجود هذه الدولة المصطنعة في قلب العالم العربي والإسلامي وضمن محيط معادي يرفض وجودها ويتحين الفرص للنيل منها وإزالتها ، ربما يكون هو السبب الحقيقي الذي يحرك مثل هذا الإحساس في عقول قادة ومستوطني الكيان ، وهذا ما يعرف بغريزة الشعور بالخطر ، فإسرائيل كدولة و وفق كل القراءات التاريخية لوجودها هي كيان صنيعة أشبه ما يكون بالطفل ، فهو ينمو بشكل طفيلي على حساب الآخرين و رعايتهم وحمايتهم له ، و لا يمكن له الاستمرار دون وجود هذا الدعم ، و ال 58 سنة الماضية وهي عمر الكيان الصهيوني على أرض فلسطين تبرهن على أن وجوده من عدمه يعتمد على تبنيه من قبل دول الغرب الكبرى ، فإذا عدنا للتاريخ نرى أن هذا الكيان نتج عن مصلحة حيوية ذات إستراتيجية دينية لدى النخبة الحاكمة في بريطانيا العظمى ومن ثم وبعد الحرب العالمية الثانية تبنته فرنسا وألمانيا ( كلٌ لأسبابها الخاصة ) من خلال المناصرة السياسية بداية ً وتطور ذلك إلى تقديم الدعم المالي والعسكري ( فرنسا دعمت بالسلاح و ألمانيا دعمت بالمال ) ، وخاضت إسرائيل حربي عام 1956 و 1967 بهذا الدعم ، وبعد حرب العام 1967 تم تبنيها من قبل الولايات المتحدة التي مازالت الحامية والداعمة لها حتى الآن .. فهذا الكيان لا يستطيع أن يستمر إلا وفق وظيفة محددة ولغرض ما ، الثابت فيه النفط وقناة السويس والأبعاد الدينية البروتستنتية للملايين المؤمنة بالألفية السعيدة التي تعتقد أن التجمع اليهودي في فلسطين هو تحقيق للنبوءات التوراتية والإنجيلية المبشرة بعودة المسيح . .. فإسرائيل هي دولة لجيش ، المرأة فيها والرجل هم جنود مدربون على القتال وعندما تحين الساعة يلتحق الطبيب والمهندس والعامل والفلاح كلٌ في كتيبته و وفق اختصاصه وكل ما فيها من منشآت قد يكون ظاهرها ذو طابع مدني ولكنها قد أُعدت وبشكل متوازً للاستخدام العسكري زمن الحرب . والمراقب للحياة في داخل الكيان ومنذ نشأته يرى أنها قد أفردت جل اهتمامها للقضايا ذات الطابع الأمني ، فاليهودي المستوطن هو دائما في حالة قلق و ريبة من أي شيء في الشارع أو أي شخص يقوم بحركات يعتقد أنها غير طبيعية أو ملفتة للنظر كونها غير مألوفة له ، وهذه الحالة ينجم عنها حالة من العصبية التي تشك في كل شيء وهي معادلة للهوس ... فتوقيع اتفاقيات السلام مع العرب غير ممكنة بحسب الكثير من السياسيين في إسرائيل كونها قد تشكل خطرا على كيان الدولة إذ هناك خوف دائماً من أن تستغل فترة السلم في تعزيز القدرات العسكرية والتدريب لدى الأطراف العربية ، من هنا إسرائيل دائما وعلى مدار الساعة في حالة حرب وتحاول القيام بحروب أو ضربات وقائية أو استباقية . وأكثر ما يهمها في نصوص الاتفاقيات الموقعة مع العرب هو التركيز على جوانب التعاون الأمني ومكافحة الحركات الجهادية أو المقاومة ( على سبيل المثال اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية) وكذلك فقد نصت هذه الاتفاقيات في معظمها على أبعاد جيوش هذه الدول عن الحدود مع الكيان ، وهو ما نلاحظه بصراحة تامة في اتفاقيات كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية إذ حولت إسرائيل القوات المصرية إلى حامية لحدود إسرائيل مع خلق منطقة عازلة تشمل كل سيناء وهي أكبر مساحة من إسرائيل نفسها بأضعاف و وفق أوسلو تحولت قوات م . ت . ف إلى حامية لحدود إسرائيل غير المرسمة وجعلت من الأجهزة الأمنية الفلسطينية ذراع عميل لها في مواجهة حركات وفصائل المقاومة وهو ما انتهى فعليا عقب انطلاقة انتفاضة الأقصى أثر انهيار مفاوضات السلام في مفاوضات كمب ديفيد 2 و وقف التنسيق الأمني بين الجانبين. وفي المقابل فقد تسلحت إسرائيل بالأسلحة النووية ضمن نظرية " خيار شمشون " أي علي وعلى أعدائي . وكل ذلك يعني الخشية الدائمة من خطر الزوال فالعبارات التي أطلقها " شمعون بيرز " بأن حرب لبنان الأخيرة هي " حرب حياة أو موت " وما قاله بن غوريون عند تأسيس الدولة اليهودية بأن " إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة ولكن أن هُزمت مرة واحدة فيعني ذلك نهايتها " هي مقولات قديمة جديدة كامنة ومغروسة عميقاً في اللاشعور لدى كل يهودي صهيوني مستوطن في أرض فلسطين . وما يمكن ملاحظته هنا أن إسرائيل الكيان تحمل في رحمها بذور نهايتها و زوالها فإن هي صنعت سلاماً مع العرب وأنهت سياسة العدوان والتوسع فإنها ستزول وفق تعبير " بنيامين نتنياهو " من خلال الصراع الديمغرافي وتسرب الثقافة العربية الإسلامية إليها وهي ثقافة أقوى من الثقافة اليهودية بحكم قوة العقيدة وانفتاحها وتسامحها وكونها ثقافة المنطقة المحيطة بها مما يجعل اليهودي المستوطن في فلسطين ينقطع عن جذوره الأوروبية ويتحول إلى شرقي بكل ما للكلمة من معنى ... وهذا بنظر النخبة الاشكنازية الأوروبية الحاكمة أمر غير مرغوب فيه بل ومرفوض ، كونه يلغي صفة التمايز ويؤدي بالكيان إلى التفتت بفعل العوامل الحضارية والتقارب الذي يمكن أن يحصل بين اليهود العرب والشرقيين أجمالاً مع أبناء أمتهم من العرب المسيحيين والمسلمين . وإذا استمرت إسرائيل في الحرب وخصوصا إذا أستخدم الطرف العربي الحروب ذات الطابع الشعبي طويل الأجل على شاكلة انتفاضة الأقصى و حرب لبنان 2006 فإنها لن تنجو من هزيمة محققة قد تعصف بكل الوجود الصهيوني على أرض فلسطين ذات يوم ... وهذا ما قد تنبأ به رئيس الوكالة اليهودية الأسبق " ناحوم غولدمان " في كتابه " إسرائيل على أين؟؟ ) عندما أعتبر أن استمرارها أمر مشكوك فيه بل جزم أنها إلى زوال . التجارب التاريخية في العصور الإسلامية تدل على أن أمكانية التعايش بين اليهود والمسلمين أمر ممكن لقد حدث ذلك في اسبانيا وفي أماكن أخرى من دولة الخلافة الإسلامية في العصور الوسطى ولكن أزمة إسرائيل تكمن في الإيديولوجية الصهيونية التي هي وليدة المجتمع الغربي وخلاصها يكمن في تخلي إسرائيل عن طابعها العدواني التوسعي والإجرامي بحق شعوب المنطقة ففي كل يوم تقتل فيه آلتها الحربية مواطن عربي تزيد في تراكم الحقد في نفوس أبناء المنطقة ، و تحكم على نفسها وعلى قاطنيها بالرد بالمثل ، وتأجج حالة العداء المطلق بين الأديان ، واليهود كطائفة دينية على مستوى العالم هم قلة ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن ينتصروا في الحرب ضد العالم العربي والإسلامي في المعركة النهائية ، التي ستندلع ذات يوم مهما طال الزمن ، وإذا كان حبل الغرب الممدود لهم اليوم يغذيهم ويمنحهم القوة فإن ذلك لن يدوم طويلاً ، فمهما تعاظمت الدول وتجبرت وتغطرست فإن لها عمر ولها أقدار ، فكما ينمو الطفل تنمو الدول ، ولكنها مع الوقت تشيخ وتهرم ، هذا ما علمنا إياه التاريخ ، وعلى قادة الكيان أن يفكروا جيدا في مصلحة مستوطنيهم ، فالسلام مع العرب هو الطريق الوحيد لصون حياتهم وبناء مستقبلهم ، وإنهاء الصراع الآن أفضل لهم ،فهم يملكون القوة ولو النسبية ، وهذا يمكنهم من التوقيع مع العرب على أتفاق يكفل حقوقهم في العيش إلى جانب شعوب المنطقة ، وهذا خير لهم من أن يجبروا ذات يوم ، وهم في موقع المهزوم والذليل على توقيع صك استسلام مذل ومهين ، وعندها لن يحميهم أو يرحمهم أحد وتاريخهم على مر العصور هو أصدق دليل على ما نقول ............ 
الاثنين, 04 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من مصر
شكرا على هذا المقال الرائع والقوى
ادامك الله