د. علاء أبو عامر أستاذ العلاقات الدولية
تجاه العالمين العربي والإسلامي
لم تكن العبارة التي أطلقها جورج بوش الصغير الرئيس الحادي عشر بعد الحرب العالمية الثانية للولايات المتحدة الأمريكية بوصف الإسلاميين بالفاشيين مفاجئً للمهتمين والمتابعين لتطورات السياسة الخارجية لهذا الرئيس وجماعته أو لنقل أركان إدارته المتمثلة بالمحافظين الجدد واليمين المسيحي المتطرف فمنذ بداية حكمه العام 2000 حدد بوش الصغير العدو القادم لأمريكا بالخطر الإسلامي ولم تكن تلك النظرة الحاقدة على الإسلام والعرب هي ردة فعل على أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر (والتي أثبتت التقارير الأخيرة الصادرة عن لجان التحقيق أن مرتكبيها ليسو ا من جماعة القاعدة ) بل نتيجة لفلسفات باطنية كان قد عبر عنها عدد لا بأس به من الكتاب والصحفيين ورجال الدين من المسيحيين الصهاينة " من أمثال برنارد لويس ، و صموئيل هنتغتون ، و فرنسيس فوكايا ...وغيرهم . الذين نظَروا لصراع الحضارات أو الثقافات وجعلوا الإسلام هو العدو ويعتقد هؤلاء أن الإسلام هو الجدار الأخير الباقي في وجه انتشار الثقافة اليهو - مسيحية ( البروتستنتية تحديداً ) بصفته دين ودولة وفلسفة وثقافة واجتماع وقانون ...الخ وهو ما لا يتوفر في العقائد الدينية الأخرى . .. كذلك فإن وجود دولة إسرائيل في قلب العالم العربي التي تمثل الحلم البروتستنتي بعودة المسيح المنتظر الذي سيخرج من بين يهود بيت المقدس بحسب مارتن لوثر (نبي البروتستنت) يجعل العداء للعرب يمثل حجر الزاوية في الفكر المسيحي الصهيوني إذ أن الأسس التي بنيت عليها عقيدة هؤلاء تتمثل بشكل رئيسي في : 1- أن كل مسيحي مخلص يجب أن يؤمن بالعودة الثانية للمسيح 2- إن قيام دولة إسرائيل ، واستيلائها على مدينة القدس ، هما إشارة إلهية تشير إلى أن العودة الثانية للمسيح على وشك الحدوث 3- وعلى ذلك فإن كل دعم مادي أو معنوي لإسرائيل ، ليس أمراً اختياريا أو مبنياً على أسس إنسانية أو أخلاقية أو إستراتيجية ، وإنما هو قضاء إلهي لأنه يؤيد ويسرع قدوم المسيح ، وبالتالي فإن كل من يقف ضد إسرائيل هو ضد المسيحية وضد الله بالذات . يصل عدد المسحيين الصهاينة المؤمنين بهذه الأفكار في الولايات المتحدة وحدها ما يقارب 90 مليون شخص وعددهم في العالم هو 240 مليون منتشرين في الدول الأوروبية و كندا و استراليا ونيوزيلندا وغيرها . وبهذا فإن وصف اللوبي الداعم لإسرائيل في الكونغرس من قبل بعض العرب هو وصف خاطئ فليس اللوبي اليهودي هو الذي يوجه السياسة الخارجية الأمريكية المعادية للعرب والإسلام بل اللوبي المسيحي الصهيوني ومن هنا وجب وصف اللوبي الداعم لإسرائيل باللوبي الصهيوني بدل استخدام عبارة اليهودي كونها ليست دقيقة وتستخدمها الحكومات العربية للتغطية على عجزها في تعديل مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة المنحازة لإسرائيل ، وبهذا المعنى فإن الولايات المتحدة وفق وجهة نظر هذه الحكومات هي جيدة ولكنها بخضوعها لضغوط وسطوة اللوبي اليهودي المسيطر على المال والإعلام .. وغيره من مناحي الحياة وفي ظل عدم وجود لوبي عربي مقابل تجعل أمريكا تخضع لتوجيه هذا اللوبي ، وهذا هراء و يعرف الحكام العرب قبل غيرهم أنه ليس كذلك ... بل أن كل أفعال الولايات المتحدة الأمريكية تجاهنا تنبع من قناعات داخلية دينية وسياسية تنظر إلى العرب نظرة دونية ملئها الاحتقار لعقيدتنا وتاريخنا وثقافتنا . بل يستطيع المرء أن يجزم أن هذه القوى المسيحية المتطرفة تشكل خطراً وجوديا على اليهود أنفسهم فرغم الدعم المادي والعسكري السخي الذي توفره هذه القوى لإسرائيل سنوياً من خلال سيطرتها على مجلسي الكونغرس والذي يصل إلى ما يقارب الثمانية مليارات دولار على شكل هبات فإنها تجعل الكيان اليهودي في فلسطين حبيس أفكارها ومواقفها وإستراتيجيتها الدينية ولا تجعله كيانا مستقل ذو إرادة سيادية حرة . فعلى سبيل المثال يعتقد " جيمي سواجرت " أحد أهم أنبياء المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة أنه لا يمكن تحقيق السلام بين اليهود والعرب في فلسطين ، وأن الحرب النووية هي الحل الوحيد لحسم الصراع ويقول بعد توقيع اتفاقية أوسلو : " كنت أتمنى أن أستطيع القول : أننا سنحصل على السلام ، ولكني أومن بأن " هرمجدون " مقبلة ، إن هرمجدون قادمة ، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون ، إن ذلك لن يحقق شيئاً ، هناك أيام سوداء قادمة . وبالفعل صدق الرجل وهاهي الأيام السوداء قد حلت مع مجيء جورج بوش الصغير وجماعته المتطرفة إلى سدة الحكم وقد مارست خلال الست سنوات الماضية أفظع أنواع المجازر في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان ... وطاحونة الحرب ما زالت تدور وقد تصل إلى سوريا وإيران والسودان والصومال ...وغيرها من أقطار العروبة والإسلام . هي حرب صهيونية بكل ما للكلمة من معنى و ليست الصهيونية اليهودية إلا الحلقة الأصغر و ربما الأضعف ضمن اللوبي الصهيوني الكبير ، من هنا علينا فهم الشراكة الأمريكية البريطانية الإسرائيلية في العدوان على شعوب امتنا واستباحة أرضنا ومقدساتنا. ففيما يخص الأصوليين المسيحيين لا تشكل إسرائيل الكبرى ( من النيل إلى الفرات ) إلا وسيلة إلى غاية ، وتلك الغاية هي المجيء الثاني للمسيح ، والخطوة التالية ( لإنشاء إسرائيل الكبرى ) على جدول أعمال الأصوليين الأمريكيين الصهاينة هي تحويل اليهود إلى المسيحية ، إلا أن هذه النقطة اللاهوتية مسألة تفضل كل القوى الممالئة لإسرائيل في أمريكا تجاهلها . ويقول الدكتور " فاليري إيليانوف " المتخصص في دراسات الصهيونية والماسونية في جامعة موسكو : " إن الصهيونيين حددوا العام 2000 كموعد للسيطرة على العالم وأنه بظهور البنائين الأحرار ( الطابور الخامس ) فإنه سيتم على أيديهم تقويض معابد وجمعيات ومؤسسات الشعوب الأخرى وكل سلطاتها ... ويشير الدكتور " رفيق حبيب " في كتابه " المسيحية والحرب " قصة الأصولية الصهيونية الأمريكية والصراع على الشرق الإسلامي " بعدد من الأهداف التي وضعها المسيحيون الصهاينة نصب أعينهم أهمها : 1- حتمية تفوق أمريكا ، في السلاح ، حتى تصبح أقوى دولة في العالم 2- حتمية عودة اليهود ، وإقامة دولة لليهود في فلسطين العربية . 3- حتمية عودة يهود الشتات ، جميعا ، إلى دولة إسرائيل ، وعلى رأسهم يهود الاتحاد السوفيتي 4- حتمية هدم المسجد الأقصى ، وإقامة الهيكل الثالث في نفس المكان . 5- ضرورة تصاعد أحداث التاريخ ، حتى تقوم قوى الخير ، وعلى رأسها ، أمريكا بمحاربة كل قوى الشر ، في معركة " هرمجدون " في فلسطين ، حتى يأتي المسيح ليحكم العالم لمدة ألف عام سعيد ورغم الشعور العام لدى الكثير من دارسي الظاهرة الصهيونية بأن هناك وحدة أهداف بين المسيحيين الصهاينة والصهاينة اليهود حول موضوع الصراع مع العرب والمسلمين فإن هذا التحالف هو تحالف مؤقت وكل طرف يعتقد أنه يجير الأخر لمصلحته مع أن الهدف الجوهري للطرفين مختلف إذ يشير الباحثين " ما يكل لا يدن " و " بربارة لايدن " في بحث نشرته مجلة " نيو ريببلك " أنهما طرحا سؤالاً على أحد زعماء الأوساط اليهودية التي تسعى إلى السيطرة على الحرم القدسي الشريف ، فيما إذا كنت لا ترى تناقضاً بين الهدف النهائي للمسيحيين الصهاينة الذين يمثلون هذه الأوساط وبين الأهداف الدينية اليهودية . فأجاب : " هم يعتقدون بأنه عند إقامة الهيكل الثالث سيظهر المسيح ثانية ، ونحن نؤمن أنه عند إقامة الهيكل سيظهر المسيح لأول مرة . سنبني الهيكل وننتظر من الذي سيأتي " . وعليه فإن تركيز البعض على إخفاقات الجيش الأمريكي في العراق وفشله في القضاء على المقاومة العراقية يجب أن لا ينسينا أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد حققتا أهدافهما بالفعل هناك ، والمتمثلة في تدمير العراق بلد وسكان واقتصاد وبنى تحتية وقبل كل شيء تدمير قوته العسكرية التي كانت إحدى المرتكزات الأساسية للقوة العسكرية العربية وما تسعى إليه الولايات المتحدة من تفتيت للحمة العراقيين الداخلية من خلال افتعال الحرب الطائفية هو تتويج لهذا الهدف الذي سيليه أهداف أخرى في المنطقة ومنها تفتيت الكيانات القائمة وخلق كيانات ضعيفة هزيلة ستخنقها الصراعات الطائفية على الحدود والجغرافيا وتنسيها عدوها الرابض على الأبواب والذي يريد تسخير شعوبها كعبيد وخدم لمخططاته وأهدافه . ومن هنا على العرب كيانات وشعوب حكام ومحكومين أن يلغوا فرضية إيران العدو والانتباه إلى العدو الأمريكي الصهيوني كونه العدو الحقيقي للعرب والفرس ، للشيعة والسنة ، فالشيعة غير مستثنيين من العدوان وما تجربة الحرب على حزب الله والطائفة الشيعية في لبنان تحديدا إلا مثال حي يظهر بشكل جلي أن هذا العدو لا يفرق بين المذاهب بل يعتبرنا جميعا سنة وشيعة وأباظيين ومسيحيين شرقيين ... وغيرها من المذاهب أعداء له حتى أولئك العملاء من العرب والمسلمين هم في النهاية أعداء مع وقف التنفيذ أو التأجيل فما يريده العدو من عملاءه يفوق تصوراتهم. بقي لحكومة بوش عامين من الحكم وباعتقادي وأنا هنا لا أتنبأ بل أتحث عن توقعات من خلال دراسة لعقلية وتصرفات الإدارة الحالية ، أنهما ستكونان أشد قسوة و دماراً على شعوب أمتنا ... وعلى جميع القوى العلمانية والإسلامية وغيرها من التسميات أن تسوي خلافاتها وتتحد في مواجهة ما ينتظرها من مخاطر مستقبلا ... فالمعركة التي بدأت في أفغانستان ومازالت مستمرة في العراق وما سنشهده من تطورات على أكثر من صعيد عربي هو مقدمات لحروب الغرب على الشرق بغية تطويعه وإذلاله وعندها قد نشهد محاولات لتغيير صيغة المنطقة وثقافتها وتوجهاتها وتحويلها في اتجاهات تخدم الهدف الديني اليهو - مسيحي المتمثل في تحقيق سفر الرؤيا وغيره من أسفار التوراة التي يعتقد المؤمنين بها أنه قد حانت ساعة تحقيقها . .. وللحديث بقية 
الاحد, 03 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








