الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

هارتس تروي تفاصيل مجزرة الدبابات في وادي السلوكي على ايدي مقاتلي حزب الله

 


 

المعركة نجحت، يقولون في الجيش، ولكن ماذا كان الهدف

 يوم الاثنين الماضي، بعد ساعات من دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ عقد ضابط كبير من قيادة فرقة 162 استعراضا للصحافيين. واستهدف الحديث عرض انجازات الفرقة في الحرب. وبعد عرض وثق الغنائم التي اخذها المقاتلون في خنادق حزب الله، وصل الضابط الى وقف الخطوة النهائية للفرقة: التقدم الى أعلى وادي السلوكي، الى قريتين غندورة وفارون المجاورتين لليطاني. وقال ان هذه كانت احدى المعارك المركزية للحرب. معركة بطولة، خيضت في ظروف صعبة ونهايتها انجاز جوهري: بدونها ما كان للجيش الاسرائيلي أن يواصل غربا ليستولي على القطاع المحاذي لليطاني.

          في هذه المرحلة من الحديث استيقظ الى الحياة بعض المراسلين. ماذا تحقق هنا بالضبط، سألوا. ففور اجتيازكم العائق، بخسائر غير قليلة، أمروكم بالتوقف. والان، مع وقف اطلاق النار فان الجيش الاسرائيلي سيخلي المواقع المتقدمة التي استولى عليها. من أجل ماذا سقط الجنود؟ فامتنع الضابط عن الاجابة مدعيا أن هذه باتت أسئلة عليكم ان توجهوها الى القيادات الاعلى.

          في الغندورية قاتل المقدم الاحتياط حناني مزراحي وثلاثة من جنوده. ومثل كل رجال الاحتياط تقريبا فان لديهم هم ايضا بطن مليئة. كل شيء حديث العهد جدا، بحيث أنهم فيما يروون التفاصيل تنكشف أمام ناظريهم علامات استفهام جديدة، مثل عبوات جانبية تنفجر الان لتوها. وهم يروون قصتهم من أعلى حقل الاشواك لوادي السلوكي. ويقول مزراحي انه "من المهم ان يتذكروا انه في سياق الحرب الكبرى توجد حروب صغيرة. ولا يزال هناك اناس يعرفون كيف يقدمون العون لرفاق في أزمة، وأن ينفذوا المهامات تحت النار. الناس الذين يعطون كل شيء. هذا نسي في هذه الحرب.

       60 ساعة ستلعب دور النجم في التحقيق

          أحداث الايام الاخيرة للحرب، من الاذن الذي اعطي للجيش الاسرائيلي للتقدم نحو الليطاني في ليل الجمعة، 11 آب، وحتى وقف النار، يوم الاثنين 14 منه، سيتم التحقيق فيها عمقا على يد الجيش الاسرائيلي وفي لجان التحقيق المدنية، التي لم تتقرر طبيعتها النهائية بعد. ولكن مما يظهر حتى الان ينشأ الانطباع بان هناك كان خليطا فتاكا من عدة ظواهر اشكالية في الحرب: قيادة سياسية، خبرتها الميدانية متدنية وهي معنية بانجاز تلوح به في النهاية، كلما تعاظم الانزعاج الجماهيري من أدائها؛ هيئة أركان تسعى الى "تحرير الرفاص الذي داست عليه"، والسماح للقوات بالتقدم - حتى عندما كان وقف اطلاق النار في البوابة؛ وقيادة فرقة متحمسة لاظهار قدرتها، بعد انتظار طويل. ومن بين 33 قتيلا في الخطوة الاخيرة لحرب سقط 16 في قطاع فرقة 162، منهم 12 في معركة السلوكي - غندورة. والى أن ينتهي التحقيق في الحرب، يمكن الافتراض بان أسماء هذه الاماكن ستكون محفوظة على كل لسان.

          فرقة 162 فتحت الحرب بوتيرة بطيئة بعض الشيء. وفي الوقت الذي وقعت فيه في القطاع الغربي معارك شديدة على الارض، تلبث دخول الفرقة القتال، في القطاع الاوسط. وتأخر الجهد الابتدائي في اللحظة الاخيرة بسبب الاحوال الجوية السيئة. كما ان التقدم في السياق كان مترددا بعض الشيء. وفي الوسط، يوم الاحد 6 آب، سقطت الكاتيوشا في المعسكر اللوجستي في كتيبة المظليين من الفرقة فقتلت 12 من مقاتليها. الانجاز اليومي المتوسط لفرقة المدرعات الرائدة في الجيش الاسرائيلي والتي يستثمر فيها ولتطويرها مبالغ طائلة تلخص بتدمير بعض المنصات والمس بعدد من رجال حزب الله. وفي الفرقة أملوا بان الاقتحام غربا سيغير الصورة.

          صحيح انه كان هناك جدال مهني بين قائد المنطقة الشمالية اودي ادام وقائد 162 العميد غاي تسور في المصادقة على مسار التقدم (حسب احدى الروايات، فان تسور بالذات اوصى بالامتناع عن ممر السلوكي من خلال التفاف اكثر جنوبية)، ولكن في نهاية المطاف تقرر الهجوم عبر السلوكي. والان، فان كل ما تبقى عمله هو انتظار مصادقة القيادة السياسية.

          وقبل جلسة المجلس الوزاري المصغر في يوم الاربعاء، 9 آب، افترضوا في الجيش الاسرائيلي بان المصادقة على الخطوة ستأتي. وتوفيرا للوقت، جرى تقديم كتيبة الهندسة في الفرقة الى مقربة من السلوكي. حركة الكتيبة لاحظها حزب الله. وعندما تلقت الكتيبة في المساء التعليمات بالعودة، بعد أن أجل المجلس الوزاري المصادقة على الهجوم بدعوى أنه يجب اتاحة المجال لاستنفاد الخطوة السياسية في الامم المتحدة، عزز حزب الله انتشاره. خلايا الصواريخ المضادة للدبابات انتشرت في المنطقة، منتظرة عودة القوات.

          يوم الجمعة مساء اتخذ القرار الاكثر اثارة للخلاف في الحرب. فمع أن مجلس الامن كان يوشك على التصويت في غضون ساعات على صيغة قرار 1701 لوقف اطلاق النار، أعطى رئيس الوزراء ايهود اولمرت الجيش الاذن للتحرك نحو الليطاني، في كل القطاعات. وقد استجاب بذلك لضغط مارسه عليه وزير الدفاع عمير بيرتس وكبار مسؤولي الجيش الاسرائيلي على مدى أكثر من اسبوع. وكان  تحت تصرف الجيش الاسرائيلي 60 ساعة، وذلك لان اولمرت اتفق مع الادارة الامريكية بان وقف النار سيدخل حيز التنفيذ صباح يوم الاثنين.

          وزير المواصلات شاؤول موفاز الذي عرف السلوكي عبر القدمين، تحدث مع اولمرت هاتفيا قبل ساعات من ذلك وحذره من الخطوة. "الان بات الامر متأخرا"، قال، "لا يمكن القاء 35 الف رجل الى الميدان لـ 60 ساعة والامل بالخير. كيف ستشرحون للاهالي سقوط الابناء؟". أما اولمرت فلم يقتنع. وكان موفاز لا يزال يعتقد بان هذا مجرد تهديد اسرائيلي. وفي السبت فجرا، بعد التصويت في مجلس الامن كان وزير المواصلات مقتنعا بان اولمرت سيأمر باعادة القوات. هذا لم يحصل. وفي الجيش يشرحون بانه عندما يتم تحريك قوة هائلة كهذه، في منطقة يهددها العدو، فمن الصعب جدا ايقافها وانه قيل للوزراء ان الكبح سيستغرق 12 ساعة على الاقل. موفاز وآخرون يعتقدون بان الحجة غير مقبولة.

          محور حركة 162 تحرك باتجاه الغرب، من الطيبة والقنطرة (التي سيطرت عليها الفرقة من قبل) في الجانب الغربي من السلوكي. هناك، كان يفترض بقواتها ان ترتبط بفرقتين اخريين تحركتا شمالا والمساعدة في الاستيلاء على مواقع جنوبي الليطاني. السلوكي يوجد بالضبط في الوسط، فيما يسمى "الممر الاضطراري": ملزمون باجتيازه من أجل مواصلة التقدم. الصعوبة هي أن الحديث يدور عن صعود شاهق، نحو مائة متر من حيث الارتفاع في قاطع كل طوله 400متر، مسيطر عليه من كل الجهات.

من أجل السماح لفرقة المدرعات بالتحرك، في المحور الجبلي الصعب والمهدد كانت هناك حاجة الى اقتحام مقاومة حزب الله هناك. طريقة العمل التي اختيرت تعرف في التكتيك العسكري بـ "الخرق من المتن": قوة مشاة كبيرة من لواء الناحل والغولاني انزلت من المروحيات واستولت على مواقع في قريتي غندورة وفارون، غربي السلوكي، في مواقع أعلى منه. وكان دور رجال المشاة التغطية على الدبابات في أثناء صعودها (قبل بضعة ايام من المعركة زار قيادة الفرقة عدد من الجنرالات. وعجب بعض الضباط من منطق الخطة. "ماذا تريدون؟ هذه بالضبط كالسنديانة" أجابه احد الجنرالات. السنديانة هي ميدان ناري للجيش الاسرائيلي في هضبة الجولان، حيث دُرج على مناورة الخرق من المتن).

ومثلما في معارك اخرى في الحرب تبين أن حزب الله استعد جيدا. دبابة قائد سرية، تقدمت الاولى الى السلوكي، صعدت على عبوة كبيرة ودمرت. نحو 10 دبابات اخرى تلقت صواريخ مضادة للدبابات. بعضها اشتعل. رجال حزب الله أطلقوا ايضا صواريخ كورنت سوفييتية حديثة من مسافة نحو 4كم. بعض الصواريخ اطلقت من الخلف بشكل عام من قرية عدسية، نحو نصف كيلو متر من مسغاف عام من منطقة ادعى الجيش الاسرائيلي السيطرة عليها قبل نحو اسبوعين من ذلك.

وحتى يوم الاحد فجرا تمكنت القوات، بقيادة قائد اللواء المدرع النظامي 401 العقيد موتي كيدور  من اقتحام العائق. عدد من الدبابات نجحت في الوصول الى اعلى الجبل، حيث ادار مقاتلو الناحل وغولاني معركة ضروس مع حزب الله في القرى. المهمة انجزت، ولكن 8 رجال دبابات و 4 جنود مشاة قتلوا. وبين المصابين: قائدا سريتي دبابات قتلا وقائد كتيبة مدرعات اصيب بجراح خطيرة. صباح يوم الاحد وصل الى الفرقة أمر من هيئة الاركان: توقفوا في المكان. بعد بضع ساعات من ذلك قتل 4 جنود آخرون، في حادثة في الجانب الشرقي من القطاع. وفي صباح يوم الاثنين، دخل وقف اطلاق النار حيز التنفيذ، وفي ذات المساء كان معظم المقاتلون قد خرجوا عائدين الى اسرائيل.

المعركة في الغندورية

كتيبتان من لواء 401 تقدمتا منذ مساء السبت الماضي غربا في اعقاب لواء الناحل وغولاني من أجل السيطرة على أكبر قدر ممكن من الارض في الوقت المتبقي حتى دخول وقف اطلاق النار الى حيز التنفيذ. وفي صباح السبت، بعد اخلاء قائد كتيبة 9 في حالة اصابة شديدة، كتيبته واصلت التسلق من وادي السلوكي نحو الغندورية،  بقيادة قائد السرية (ل) شاي برنشتاين.

في بعض الدبابات، اضافة الى مقاتلي المدرعات كان هناك مقاتلو احتياط من سرية المشاة المساندة للواء. والى جانب دبابة قائد السرية تحركت دبابة قائد فصيلة 2، الملازم ثاني حاييم غلفند، وفيها اضافة الى الفريق 4 جنود - الملازم مزراحي، ابن 37 من افيحيل، قائد الفصيل في السرية المساندة، و3 من جنوده: سرجيه ليرنر، حوفيف ريكا وتل اشوال. وجلس هؤلاء في الرواق الخلفي دون أن يعرفوا أين تقع الدبابة او باقي القوات. وفقط من خلال الاستماع الى جهاز الاتصال استمد مزراحي تفاصيل قليلة عما يجري في المعركة.

"انا اروي هذه القصة ليس كقصة بطولية"، يشدد مزراحي، "يوجد هناك 4 رجال احتياط و 4 نظامي. جميعهم من خلفية جد مختلفة وأصبحنا جميعا اخوة في السلاح. اليوم البطولة هي مفهوم اعلامي"، وهم يتواضعون. فلم يكونوا ابطالا بل رفاق. ومهم بالنسبة لمزراحي أن يروي "في ذكرى الضحايا"، 3 من الـ 12 القتلى في السلوكي: النقيب شاي برنشتاين، الرقيب اول عيدو دربوبسكي والرقيب اول عمشا ميشولامي.

في صباح السبت كان الضباط والجنود يعرفون ان هذه ليست القرية المسيحية التي حسب التقديرات الاستخبارية من غير المتوقع فيها مقاومة شديدة. وقد تمترس حزب الله في القرية جيدا. وحسب السياسة المبدئية للجيش الاسرائيلي، فان القرى المسيحية لم "تهذب" مسبقا. وجنود المدرعات يروون بانه مع أنهم في الغندورية حظوا بمساندة جوية ومدفعية، ولكن قليلا وبشكل متأخر جدا.

وفي أعلى الجبل اصطدم طابور الدبابات بنار ثقيلة مضادة للدبابات. ثنائي الدبابات في رأس الحربة وصل الى مسافة عشرات الامتار من القرية. فيما اصيبت الدبابتان في الخلف بصواريخ مضادة للدبابات. برنشتاين قرر الالتفاف عائد الى درب جانبي للمساعدة في انقاذ الجنود المصابين. وفور الالتفاف تزحلقت دبابة غلفند في حفرة جانبية. وانهار الطريق تحتها على ما يبدو كنتيجة لانفجار عبوة. برنشتاين خرج من الدبابة كي يستوضح ماذا حصل للدبابة الثانية، وعاد فورا. وكانت الدبابتان هدفا مريحا لصواريخ حزب الله. الصاروخ الاول اصاب دبابة قائد السرية، وبرنشتاين نفسه اندفع من الدبابة.

وللامتناع عن اصابة مؤكدة اخرى لهم ايضا - صاروخ واحد اصاب الفوهة وتعطل المدفع - خرج غلفند ورجاله من الدبابة ومعهم مقاتلو المشاة. ويروي مزراحي يقول: "خرجنا بسرعة من الرواق الخلفي وعندما للمرة الاولى تبدد الظلام المطلق لنرى ضوء النهار دون أن نعرف من اين يطلقون النار علينا"، يروي مزراحي، "رأينا دبابة شاي التي انطلق منها الدخان. وكانت علينا نار ثقيلة جدا. كنا محوطون 270 درجة بالنار - سلاح خفيف، راجمات، مضادات للدبابات. وجدنا أنفسنا في حمام من النار".

من هذه اللحظة أخذ مزراحي القيادة على كل القوة من دبابة غلفند. "لم يكن هناك مأوى قريب فاختبأنا في كرم زيتون مجاور"، روى. "4 من رجال المشاة دخلوا في دفاع 360 درجة وبدأوا يردون النار بالسلاح الخفيف في الوقت الذي تطايرت فيه الصواريخ المضادة للدبابات من فوق رؤوسنا. لم تكن لدينا القدرة للتحرك لا الى الامام ولا الى الخلف".

رجال الدبابات الـ 4 غادروا مخبأهم وتقدموا نحو دبابة قائد السرية بحثا عن الناجين. ولاحظوا برنشتاين ملقي على الارض دون روح، وحاولوا الدخول الى الدبابة. تحت نار ثقيلة اضطروا الى التسلق على الدبابة لان الرواق الخلفي كان مسدودا. فوجدوا داخل حجرة الدبابة المدفعي ومعبىء القذائف دون قدرة على الحراك. وقال مزراحي "انهما كانا مصابان بجراح خطيرة جدا ولا سيما بالحروق". الرابع، السائق، اصيب بالعمى، ولكن حالته كانت أفضل من رفاقه. وكانت عملية الانقاذ مركبة وطويلة. تحت النار اضطررنا الى ازاحة الحجرة لفتح الطريق لاخراج السائق، وعندها اخلاء المعدات من الرواق الخلفي لجر المدفعي والمعبىء عبره.

تاريخ حروب الجيش الاسرائيلي مليء بالاخطاء، بمعارك لم تدر كما ينبغي، بخسائر كان يمكن وصفها احيانا بضحايا عابثة. يحتمل ان يكون القرار الصحفي سابق لاوانه، وفي غاية الحدة. لعل ما حرك اولمرت للمصادقة على الحملة لم يكن الهلع على مكانته السياسية، بل التخوف الحقيقي من فقدان انجازات الحملة. في محيط رئيس الوزراء يدعون بان الجيش وعده بانه يمكن الاستيلاء على مواقع هامة في الـ 60 ساعة وان اولمرت اراد الاستعداد لامكانية أن ينهار وقف اطلاق النار فور دخوله حيز التنفيذ. والوقوف على الليطاني كان يفترض أن يوفر نقطة انطلاق أفضل للصراع ضد الكاتيوشا فيما لو استؤنف القتال. ويقول مسؤول كبير في هيئة الاركان ان "من المشروع جدا السماح للجيش الاسرائيلي انهاء خطوة عسكرية لتحقيق اتفاق سياسي أفضل. هكذا حصل في كل الحروب". ولكن في ضوء ما يتبين بالتدريج من عملية اتخاذ القرارات في الايام الاخيرة للحرب، من الصعب على المرء ان يتحرر من الاحساس بانه وقع من نصيب جيل المقاتلين هذا ان يدفعوا الثمن الباهظ اكثر من كل ثمن آخر لقاء أخطاء القيادات التي بعثت بهم الى المهمة.       

  عاموس هرئيل ويئير أتينغر يروي

هآرتس - 22/8/2006

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية