الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

ثمن الغباء

الكسندر كوكبيرن

لربما شطح الوهم بالمرء فخال لوهلة أن بوش وحاشيته، وعلى الرغم من تشرنقهم وعزلتهم عن الحقيقة، لابد أنهم لحظوا أن مغامرتهم العسكرية في العراق أخذت منذ أمد بالتعثر، ولربما مشوا على رؤوس أصابعهم محاذرين حتى خلصوا إلى استنتاج مفاده أن منازلة قوة من رجال العصابات شديدة البأس مفعمة بالتصميم قوية الشكيمة تحظى بدعم شعبي يحفها بالتعاطف ويمدّها بكل أشكال الإسناد، ربما لا تتمخض بالضرورة عما هو طيب ومواتٍ للغازي المحتل، بل ربما تجر إلى كارثة مهولة لا يُدرك مدى شناعتها.

كان ذاك في العراق، ورأينا وما زلنا نرى ما حصل ويحصل، وأما في لبنان فكان ما كان وباءت الهجمة “الإسرائيلية” التي استغرق التخطيط لشنها زمناً طويلاً، والتي قدّمت إلى العالم على أنها محاولة لاستئصال حزب الله، بالخسران المبين، وتعرضت لهزيمة نكراء. وكان تطليق الحقيقة والازورار عن الواقع والتعامي عن النذر الواضحات قد بدأت منذ سنين عدة خلت. فالجيش الذي كان همّه الأكبر ونشاطه الرئيسي على مدى سنوات متطاولة إرهاب المدنيين الفلسطينيين وترويعهم واستلاب أراضيهم وتدمير بيوتهم وهدم مقومات حياتهم وتجريف حقولهم واقتلاع زيتونهم وإذلالهم كان لا بد أن ينحط لا محالة إلى دركات سحيقة فتهوي نوعية وصفات ضباطه إلى الحضيض وتتردى معنوياتهم، وقد اكتشف البريطانيون هذه الحقيقة مبكراً عام 1899 في جنوب إفريقيا، فبعدما ولغوا في دماء الأفارقة أهل البلاد الأصليين لعقود من الزمن، راحوا يذبحون أبناء القبائل الذين لم يمتشقوا سلاحاً سوى الرماح، واصطدموا بغتة بنفر قليل من المزارعين الهولنديين المزودين بأسلحة حديثة فاندحروا البريطانيون ومنيوا بشرّ هزيمة.

ولن ينشأ لدى نخبة سياسية عسكرية متخمة بثراء فاحش درّه عليها فساد مستشر وعقود الأسلحة التي نخرها التحايل والغش، لن يتولد لدى هذه الطغمة التي تعفنت من الداخل جراء الجولات الظافرة إلى واشنطن، ونتيجة إغداق صحافة الولايات المتحدة وإعلامها عليها من التملق والتزلف سوى ذاك الصنف من الصلف المزهو والغرور المعاند الصارخ الذي يتبدى بوضوح في رئيس الأركان البهيمي الصفات دان حالوتس، الذي حرص، حسب جريدة دافار “الإسرائيلية” على بيع محفظة أسهمه قبل إصداره أوامره لبدء الهجوم على لبنان.

وكان حالوتس هذا هو الذي أغرى أولمرت وبيرتس وزين لهما أمر غارات جوية مباغتة تشنّها الطائرات “الإسرائيلية” بسرعة خاطفة فتسحق بما يشبه الخيال حزب الله وتمحوه من الوجود. وبالطبع فإن ما صنعه حالوتس في الحقيقة إنما كان توحيد صفّ كل اللبنانيين في النقمة على “إسرائيل” والاشمئزار من أفعالها، في حين كان من حيث لا يدري أعظم مروّج لحزب الله وأكبر من لمعه ورفع أسهمه. وهل ثمّة من استدر العطف على لبنان وحشد التأييد له أكثر مما فعل حالوتس وهو يعوي قائلاً: “سنعيد لبنان عشرين سنة إلى الوراء”، ويهدد بنسف عمارة من عشرة طوابق مقابل كل صاروخ يطلق على “إسرائيل”؟

وأمّا النخب السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة فوحّدها الغباء ولم شملها أكثر بكثير مما صنع مع نظرائها “الإسرائيليين”، ففي الصحف وعلى شاشات القنوات الفضائية هنا في أمريكا كانت التغطية والتقارير والقصص مريعة جداً. وتولت كبر هذا التضليل شبكة ال”سي.ان.ان” وكانت لها الصدارة في التزييف والتشويه. إلا أنه على صفحات الشبكة العنكبوتية كان في وسع أي أمرئ أن يفتح على صحيفة “هآرتس” في نسختها الناطقة

بالإنجليزية ويطالع انتقاداً مراً لاذعاً لحرب “إسرائيل”. وهنا على الجبهة السياسية كان السيناتور الجمهوري من نبراسكا تشوك هاجل فريد عصره وزمانه والسياسي الوحيد المرموق الذي نادى بوقف لإطلاق النار.

وأمّا الديمقراطيون في الكونجرس فكانوا جوقة هادرة من “الهتيفة” الذين رفعوا عقائرهم بصوت يصم الآذان مطالبين بأن تدمر “إسرائيل” لبنان. وما عليك إلا أن تستمع إلى جيري نادلر عضو الكونجرس من نيويورك والمصنف بأنه من خيرة الديمقراطيين التقدميين في أوساط المؤتمر الحزبي الديمقراطي لاختيار الممثلين في الكونجرس. ففي تظاهرة مؤيدة ل”إسرائيل” خرجت يوم 18 يوليو/تموز توجه نادلر بالسؤال إلى حشد في نيويورك تجمهر لنصرة “إسرائيل” وتأييداً لقصف لبنان، فسأل مستهجناً: “منذ متى كان ينبغي أن يكون الرد على العدوان والقتل متناسباً؟” وبعبارة أخرى أعطى نادلر التقدمي الضوء الأخضر لجرائم حرب مثل تلك التي أوغلت “إسرائيل” في اتكابها كل يوم.

ومع ذلك، كان هناك بعض الاختلافات الجوهرية بين تغطية الهجوم على لبنان في عام 2006 وتلك التي تناولت اجتياح “إسرائيل” للبنان ومحاصرتها لبيروت عام 1982. وقد هزَّ “إسرائيل” ومناصريها وصدمهم من الأعماق، ذلك التقرير بتاريخ 3 أغسطس/آب الذي نشرته منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) من بيروت وسط الضجة التي ثارت جراء مجزرة المدنيين في قانا، وفي تلك الأثناء بذلت “إسرائيل” جهداً خرافياً لتشويه الحقائق وطمسها فأطلقت سيلاً عرماً من الأكاذيب حول أن حزب الله استقدم من المشرحة جثث أطفال ميتين ووضعها داخل أنقاض العمائر المدمرة. وفي غمرة هذا اللغط كلّه جاء تقرير “هيومان رايتس ووتش” الذي كتب بعناية فائقة وأتى عنوانه كما يلي:

“ضربات مهلكة: هجمات “إسرائيل” العشوائية ضد المدنيين في لبنان”. وذكّرني العنوان على الفور بكلمة “من دون تمييز” و”عشوائي” التي اقتبسها محررو صحيفة ال”نيويورك تايمز” من وصف توماس فريدمان للقصف “الإسرائيلي” لبيروت في عام 1982.

وقام تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان الذي يقع في 50 صفحة بتحليل نحو 24 حالة من حالات الهجمات “الإسرائيلية” بالمدفعية والطائرات على منازل مدنيين وعلى سيّارات مدنية، ومن بين ما يزيد على 153 شخصاً مدنياً قتلوا، وأتى على ذكرهم التقرير، كان هناك 63 طفلاً لقوا حتفهم. وقال كينيث روث، المدير التنفيذي ل”هيومان رايتس ووتش”: “يظهر نمط الهجمات والطريقة التي نفذت بها، تجاهل العسكريين “الإسرائيليين” المقلق وعدم اكتراثهم البتة بحياة المدنيين اللبنانيين. ويبين بحثنا أن مزاعم “إسرائيل” بأن مقاتلي حزب الله يختبئون وسط المدنيين لا يفسر، ناهيك عن أن يبرر حرب “إسرائيل” العشوائية التي تشنها على لبنان وعدم تمييزها بين الأهداف العسكرية والمدنية”.

وحدّث ولا حرج عن اللامبالاة الإجرامية التي ظهرت بها مواقف بوش وبلير ورايس وهم يحاولون جهدهم كي تستمر الحرب ويتواصل القتل وإزهاق أرواح المدنيين. وهرع بلير إلى سان فرانسيسكو ليرتمي عند قدمي سيده القادم روبرت مردوخ، الذي سيوفر له فرصة عمل في المستقبل، ولم ينقذ الثلاثي من هذا الإذلال سوى قصة التهديد الإرهابي في لندن.

وتشبث حزب الله بأرضه التي انغرس فيها فثبت كالطود وراح يرقب تقدّم “إسرائيل” وما لبث أن أوقف زحفها وشلَّ حركتها، فكانت الثمرة، وكما سارع عشرات من الشخصيات “الإسرائيلية” المرموقة إلى التبيان، نصراً مؤزراً يتسم بعظيم الأهمية، نعم كان بمقدور طائرات “إسرائيل” أن تغير على قرى وبلدات فتجعلها قاعاً صفصفاً وتسوّي عمرانها بالأرض لكنها عجزت عن إخراس الكاتيوشا، كما لم تستطع الاحتفاظ بكثير من الأراضي التي احتلتها في جنوب لبنان. وكان في وسع جنرالات “إسرائيل” شن الموجات تلو الموجات من الغارات الجوية لإحداث دمار هائل، لكنهم لم يقدروا على حماية شمال “إسرائيل” من القصف الصاروخي، حيث لم يكن متاحاً لعرب 48 في “إسرائيل” أن يلوذوا بملاجئ تقيهم شرَّ صواريخ حزب الله المنهمرة، كما لم يكونوا يحظون بإمداد طوارئ ولا مخابئ البتة، وحيث قالت “جويش فوروارد” في أوائل أغسطس إن السكان لم يعد بمقدورهم احتمال هذا الوضع لأكثر من أسبوع آخر. والقوى داخل “إسرائيل” التي تقول: إنه ينبغي التوصل إلى حل يعالج مشكلة الأراضي الفلسطينية المغتصبة من جذورها تعززت مواقفها واستمدت جرعة قوة إضافية.

وعلى ما يبدو فإن في أوساط الدوائر الحاكمة في “إسرائيل” عدداً من الواقعيين يفوق نظيره هنا في الولايات المتحدة، حيث لم يستوعب المصيبة العظمى التي حلّت بالعراق ولم يستوعب القوم أبعادها المهولة ولم يدركوا خطورتها إلى درجة حفزت ذلك الأبله المعتوه ديك تشيني على إغراء “إسرائيل” وتشجيعها بكل ما أوتي من قوة على اقتحام غمار الصنف نفسه من المغامرة في لبنان، ربما لتمهيد السبيل أمام الهجوم الأمريكي “الإسرائيلي” على إيران. وعلى ما يظهر أدرك “الإسرائيليون” وبسرعة مرامي الرسالة التي يتلخص فحواها في أن نصرالله وقواته قد خرجوا من المعمعة منتصرين، وفهموا أن أولمرت وحالوتس قذفا ب”إسرائيل” في هوّة هزيمة لها عواقبها الخطيرة ومحاذيرها الاستراتيجية البعيدة المدى.

* كاتب صحافي ومحلل سياسي يشارك في تحرير موقع “الكاونتر بانش”

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية