هذا الوضع المأساوي هو المسؤول عن كل التخبط في السياسة الأمريكية ليس فقط بالنسبة للمشروعات الأمريكية الخاصة بالعراق، ولكن أيضا بالنسبة لما يسمى “المشروع الديمقراطي الأمريكي” وبالنسبة للخيارات الأمريكية في مواجهة البرنامج النووي الايراني. فالولايات المتحدة شديدة الحاجة الآن لدعم الدول الصديقة في المنطقة لايجاد مخرج لأزمتها في العراق، وهي لذلك مضطرة لأن تدفع الثمن من مصداقية دعمها لمشروع الاصلاح الديمقراطي في الدول العربية. الادارة الأمريكية مخيرة الآن بين الانحياز لمصالحها في العراق، وبالتالي مطالبة بأن تتوقف عن ممارسة أي ضغوط على نظم الحكم الصديقة في مجال الاصلاح الديمقراطي، وبين الانحياز لمشروعها الديمقراطي وبالتالي تدفع الثمن في العراق وتكون المصالح الأمريكية هي ذلك الثمن. والولايات المتحدة التي تلوح الآن بالخيار العسكري لحل أزمة البرنامج النووي الايراني تجد نفسها عاجزة، في الواقع، عن الشروع في هذا الخيار لأسباب كثيرة من أهمها أن قواتها في العراق التي يبلغ عددها 135 ألف جندي سوف تكون صيداً ثميناً للايرانيين. هذه القوات أصبحت أهم نقاط الضعف الأمريكية، ومن ثم باتت الادارة الأمريكية مخيرة بين أن تبقي على قواتها في العراق حفاظاً على ما بقي من مشروعها هناك وتتراجع عن التلويح بالخيار العسكري في مواجهة ايران، وأن تضحي بمشروعها في العراق وتسحب قواتها كي تتحرر من أهم القيود التي تعرقل قرار الحرب ضد ايران. الخيارات صعبة، والولايات المتحدة تدرك ذلك، وإذا كانت الادارة قد اضطرت لقبول أحد الخيارات الصعبة وهو التضحية بتحالفاتها الداخلية مع الشيعة والأكراد لكسب المعركة ضد المقاومة باجتذاب السنة وإغرائهم بالمشاركة، في العملية السياسية كبديل للانسحاب الأمريكي فإنها تبدو عاجزة عن الشروع في قبول خيارات أخرى صعبة. في هذا الاطار يأتي اقتراح السناتور جوزيف بايدن عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ويقضي بضرورة تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق تتمتع بالحكم الذاتي واسع النطاق للأكراد والسنة والشيعة مع اقامة حكومة مركزية في بغداد لها سلطات أقل. اقتراح السناتور بايدن الذي نشره في صحيفة “نيويورك تايمز” بالاشتراك مع ليزلي جليب الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية يكشف مدى ضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأمريكي، فالإدارة الأمريكية تعرف أن السنة في العراق وكل الدول العربية رفضوا دعوة “الفيدرالية” التي نص عليها الدستور العراقي الذي رعاه السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد. فتجديد الدعوة للفيدرالية من شأنه نسف كل محاولات زلماي خليل زاد لجذب السنة إلى العملية السياسية وفتح ثغرة للحوار مع ممثلي المقاومة العراقية في محاولة لإنجاح العملية السياسية التي يرونها غطاء مناسباً لانسحاب مشرف من العراق. زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للعراق برفقة زميلها البريطاني جاك سترو منذ أسابيع قليلة كانت للضغط على الشيعة والأكراد لتقديم تنازلات سياسية للسنة تكفي لاغرائهم بالتوقف عن دعم المقاومة والمشاركة في العملية السياسية، ودعوة الحوار الأمريكي الايراني حول “الملف العراقي” كانت للغرض نفسه، أي محاولة أمريكية للحصول على مساعدة ايرانية لانجاح هذا المسعى، أي اقناع الحلفاء الشيعة والأكراد بقبول التنازلات المطلوبة للسنة، والاتهامات الأمريكية لايران بأنها تعرقل “التحول الديمقراطي” في العراق كانت رداً على عدم تعاون طهران بما يكفي في مسألة اقناع حلفائها من الشيعة والأكراد للقبول بالمطالب الأمريكية.
السبت, 13 مايو, 2006
د. محمد السعيد إدريس
الوضع المأساوي الراهن للقوات الأمريكية في العراق بين كونها عاجزة عن البقاء بسبب عنف المقاومة وفداحة الخسائر البشرية وهزيمتها المعنوية التي جعلتها مشلولة وغير قادرة على امتلاك المبادرة في ميدان قتال شديد الوعورة والغرابة بالنسبة لها، وبين كونها عاجزة أيضاً عن الرحيل بسبب ما يعنيه قرار الرحيل من اعتراف رسمي بالهزيمة، ليس فقط هزيمة المشروع الأمريكي في العراق ولكن هزيمة المشروع الامبراطوري الأمريكي كله الذي بدأ بالعراق وسوف ينتهي فيه.

بوش المأزوم
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








