الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

هل تمثل "حماس" الفرصة الأخيرة لتحقيق السلام؟

دراسة تحليلية للكاتب اليهودي الأمريكي هنري سيجمان:لندن -عماد حنين:
على العكس من معظم التحليلات المتشائمة حول فرص السلام بعد فوز “حماس” الساحق في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية فإن كاتباً يهودياً هو هنري سيجمان يرى أن فرصاً ربما تكون الأخيرة قد أتيحت بعد هذه الخطوة التي لم تكن متوقعة بصعود هذه الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم.
وقد أوضح سيجمان أن زيادة حدة الغضب لدى المسلمين إزاء أمريكا والغرب كما تظهرها استطلاعات الرأي العديدة وكذلك نجاح ما يسمى بالإسلام السياسي قد جعلا عدداً كبيراً من “الإسرائيليين” يشعرون بأنهم يتعرضون لحالة حصار، ولهذا فإن كتّاباً “إسرائيليين” يزعمون أن “إسرائيل” تجد نفسها على مرمى حجر من “انفجار بركان” مع هذا الغضب العربي والإسلامي.
يقول سيجمان في دراسة له في دورية “ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس” في عددها الأخير تحت عنوان “حماس آخر فرصة لتحقيق السلام”: إن “إسرائيل” لا تواجه فقط تهديد حماس التي “تقاوم الاحتلال “الإسرائيلي” ولا تقر بحق “إسرائيل في الوجود”، ولكنها تواجه أيضاً غضباً متزايداً من العالم الإسلامي على اتساعه تجاه الغرب وتجاهها هي نفسها، ولكن الكاتب اليهودي الأمريكي يؤكد أن غضب العالم الإسلامي تجاه الغرب يشعل وقوده الإحساس بالإذلال الذي يشعر به الفلسطينيون الذين يعيشون تحت الاحتلال “الإسرائيلي”. ويرى المسلمون أن هذا يعتبر بمثابة “سرقة” لفلسطين وأراضيها التي تعتبر جزءاً مما يطلق عليه “دار الإسلام”. وقد تعقدت الأمور كما يرى سيجمان بعد غزو العراق والفظائع التي وقعت بعد ذلك، وعلاوة على ذلك فإن هناك السجون الأمريكية في أبوغريب وجوانتانامو وقد ثار الغضب العربي أيضاً بعد خطط أمريكا لإقامة ديمقراطية في أنحاء مختلفة من العالم على نحو يعكس النفاق الأمريكي.
ويشيرالكاتب في هذه الدورية الرصينة التي تعتبر بمثابة مركز للأبحاث والرصد إلى أن هذه العداوة تعتبر أيضاً دليلاً على المواجهة الدينية والثقافية بين الإسلام والغرب المسيحي كما يطلق عليه. وقد حل هذا العداء محل الحرب الباردة وأصبح يعتبر خطأ عالمياً. والأمر المثير للتناقض هو أن الصراع بين “إسرائيل” والفلسطينيين يعتبر أقل التهديدين حدة وخطورة، لأنه سياسي أكثر منه ديني في طابعه وعلاوة على ذلك فإن المجتمع الفلسطيني يعتبر من أكثر المجتمعات العلمانية في العالم العربي. وحتى بالنسبة لحماس فإن العناصر القومية للصراع ضد “إسرائيل” تعتبر متناقضة مع “عولمة” الإسلام التقليدي الذي لا يقر بوجود حدود قومية تفصل بين “دار الإسلام”. وبالإضافة إلى ذلك الطابع القومي لنضال حماس له الأسبقية بالمقارنة مع المتطلبات الدينية عندما يتصادم الجانبان القومي والديني.
ويعتقد سيجمان أن هذا الأمر يرجع إلى أن حماس تعتبر على نحو أكثر أهمية حركة وطنية فلسطينية أكثر من كونها حركة دينية.
ورداً على دعوة أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة إلى حماس لمواصلة النضال المسلح لاستعادة كل “حبة رمل من فلسطين يحتلها المشركون” فإن مسؤولاً في حركة حماس أعلن “أن الحركة تؤمن أن الإسلام يختلف تماماً عن أيديولوجية الظواهري”. وقال هذا المسؤول: “إن معركتنا لا تتعلق سوى باستعادة حقوقنا وخدمة شعبنا” كلام بليغ يدحض التحريض الخاص بالقاعدة. ويؤكد سيجمان أن سيطرة حماس على المجلس التشريعي الفلسطيني وتشكيلها للحكومة الفلسطينية سيوضحان لنا الفرق بين حماس والإسلام السياسي خارج فلسطين وسيوضح لنا ذلك ما يمكن اعتباره فرصة لا يمكن لأي تنظيم فلسطيني آخر أن يمثله بالنسبة ل “إسرائيل”.
ويصف المقال رئيس الحكومة الفلسطينية الجديد إسماعيل هنية بأنه رجل براجماتي وعملي وكذلك فإن عبدالعزيز الدويك رئيس المجلس الوطني الفلسطيني هو وأعضاء حكومة حماس قد تفوقوا على ما يعرف بالمتشددين في الحركة، وكذلك فإن سيجمان يلاحظ أنه حتى المتشددين أنفسهم قد اتخذوا طابعاً معتدلاً على نحو متزايد. ويؤكد أنه حتى المتشددين يعرفون أن حماس قد فازت في الانتخابات ليس بسبب أيديولوجيتها التي لا تقبل التنازلات ولكن لأنهم خاضوا المعركة الانتخابية وفق برنامج معتدل يستند على قيام حكومة نظيفة وتوفير خدمات أفضل للمواطنين، وجاءت نتيجة استطلاع للرأي أجري بعد الانتخابات قاطعة حيث أوضحت نسبة واحد في المائة فقط ممن تمت معرفة وجهات نظرهم أن أولوية حماس ينبغي أن تكون في تنفيذ قانون إسلامي في فلسطين، بينما قالت نسبة 73 في المائة إنها لا تزال تؤيد التوصل إلى اتفاق سلام مع “إسرائيل” والحل على أساس قيام الدولتين: “الإسرائيلية” والفلسطينية.
وإذا ما اكتسح رأي التيار المعتدل في حماس وتم تحقيق تعايش سلمي طويل الأمد بين سلطة فلسطينية تتزعمها حماس و”إسرائيل” فإن الآثار الناجمة عن مثل هذا الحل الوسط ستكون بعيدة المدى بالنسبة لعلاقات “إسرائيل” ليس فقط مع الفلسطينيين ولكن أيضاً مع العالم الإسلامي على اتساعه. وإن قيام حماس بمثل هذه الخطوة المهمة سيوفر ل “إسرائيل” “بوليصة تأمين” من النوع الذي لم تتمكن حركة فتح من أن تقدمه.
ويشير سيجمان إلى كتاب صدر أخيراً من تأليف شلومو بن عامي وزير خارجية “إسرائيل” الأسبق وعنوانه “آثار كدمات الحرب وجروح السلام” وفيه يقول الوزير السابق: إن وفاة عرفات واختفاءه من المسرح السياسي يعتبران مأساة لأنه كان الرجل الوحيد الذي كان توقيعه على اتفاق يقوم على أساس الحل الوسط والتصالح وكذلك التخلي عن أحلام لا يمكن تحقيقها، كان هذا التوقيع سيكون مشروعاً من وجهة نظر شعبه ويجادل بن عامي بأن “عرفات أخذ معه إلى القبر هذه المشروعية”. ويعرب سيجمان عن التفاؤل هنا بأن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين “إسرائيل” والفلسطينيين يتمتع بقدر أكبر من المشروعية ربما عن اتفاق في ظل حكم عرفات، ربما قد تم إحياؤه من خلال دخول حماس إلى الحياة السياسية الفلسطينية. ويتساءل المؤلف هنا بنبرة واقعية “هل ستكون هذه النتيجة المتفائلة ممكنة على الإطلاق؟” ويرد على ذلك قائلاً: “إنه من السابق لأوانه على الأقل استبعاد حدوث ذلك قبل بلورة الأيديولوجية السياسية التي ستتبعها حماس في المرحلة المقبلة خلال فترة حكمها. وقد وصف عضو بارز في حماس أخيراً لسيجمان هذا التوجه، فقال: إن الجناح السياسي للحركة لا يستبعد إحداث تغييرات مهمة مع مرور الوقت في سياساتها تجاه “إسرائيل” وكذلك بالنسبة لميثاق الحركة نفسه بما في ذلك الاعتراف ب “إسرائيل”، بل وحتى إدخال تعديلات طفيفة متبادلة على الحدود. ولكن هذه التغييرات ستعتمد على اعتراف “إسرائيل” بحقوق الفلسطينيين، لكن حماس لن تقبل بشيء أقل من “مبدأ المبادلة الكاملة”.
وقال هذا العضو البارز في حماس أيضاً: إن الحركة لا تعارض التفاوض مع “إسرائيل” ولكن بشرط أن تكون المفاوضات مستندة على أساس ألا يتصرف أي طرف من جانب واحد لتغيير الموقف السائد قبل حرب عام 1967. وكذلك فإن هذه المفاوضات عندما يتم استئنافها ستضع حدود عام 1967 نقطة البداية.
وفضلاً عن ذلك فإن هذا العضو البارز في حماس يقول: إن الحركة لن تتخلى عن معتقداتها الدينية بأن فلسطين تعتبر وقفاً دينياً منحه الله للمسلمين في كل زمان، إلا أن سيجمان يوضح أن هذا الاعتقاد الديني لا يستبعد قيام ترتيبات توفيقية تعكس الواقع والقانون الدولي بما في ذلك حق قيام دولة “إسرائيل”.
وكذلك فإن حماس ستكون مستعدة للالتزام “بهدنة” طويلة المدى أو وقف لإطلاق النار ينهي كل ألوان العنف. وهنا ينبغي أيضاً أن يسود مبدأ المشاركة المتبادلة وكذلك يتعين على “إسرائيل” أن تنهي كل هجماتها ضد الفلسطينيين. وإذا ما وافقت “إسرائيل” على وقف إطلاق النار فإن حماس ستتحمل المسؤولية لمنع أي انتهاكات فلسطينية وستعاقب من يرتكبها سواء كان ذلك من جانب حركة الجهاد الإسلامي أو كتائب شهداء الأقصى أو حتى من داخل حماس نفسها.
وتتفهم حماس وفقاً لهذه النقاط التي ذكرها المسؤول البارز في الحركة أنه ليس بوسعها أن تطلب الاعتراف بها بوصفها الحكومة الشرعية الفلسطينية إذا لم تكن مستعدة لتنفيذ وقف إطلاق النار في إطار مسؤولياتها عن تنفيذ الأمن والنظام.
وستكون أولوية حماس وفقاً لهذه التعهدات إعادة تنشيط المجتمع الفلسطيني عن طريق تعزيز حكم القانون واستقلالية القضاء والفصل بين السلطات داخل مختلف فروع الحكومة وكذلك إضفاء الطابع المهني السليم على الأجهزة الأمنية وضرورة تعرضها للمساءلة وخضوعها للحساب، وستعمل حماس أيضاً وفقاً لهذه التصريحات على إنهاء الفساد الحكومي وتنفيذ مبادرات اقتصادية واجتماعية جديدة تكون مناسبة للظروف الراهنة في فلسطين. وقد أبلغ المسؤول في حماس سيجمان أيضاً وفقاً لهذا المقال انه قبل الانتخابات الفلسطينية الأخيرة قامت الحركة بتكليف فريق من الخبراء لإعداد خطط مفصلة للإنعاش الاقتصادي للمجتمع الفلسطيني، وسيكون تنفيذ حماس لهذه الخطط أمراً يحتل الأولوية القصوى، لكن هذا المسؤول في الحركة لم يناقش محتوى هذه الخطط.
ويقول أيضاً: إن حماس لن تسعى إلى فرض معايير للسلوك الديني الذي ينبغي أن يتبعه الشعب الفلسطيني مثل ارتداء الحجاب أو العباءة، وذلك بالرغم من أن حماس تؤمن بأن معايير معينة من التواضع العام وليس لها بالضرورة طابع ديني ينبغي أن يتبعها الجميع. ويرى سيجمان أن هذه الآراء تعتبر شاملة جداً. وقد أعرب بعض المعتدلين من زعماء حماس أيضاً عن آراء متطابقة مع ذلك لفترة من الوقت وكذلك من جانب إسماعيل أبوشنب الذي اغتالته “إسرائيل”. وكان أبوشنب قد قال: إن حماس ستوقف النضال المسلح إذا كانت “إسرائيل” مستعدة للانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها في عام ،1967 وعلى أن تقدم جدولاً زمنياً لتنفيذ ذلك، وكان أحد زعماء حماس وهو محمد غزال قد أعلن في العام الماضي أن ميثاق حماس “ليس بمثابة قرآن كريم”. وقال: “إننا نؤمن تاريخياً بأن فلسطين يملكها الفلسطينيون، ولكننا نتحدث الآن عن الأمر الواقع وعن حلول سياسية، وإنني لا أرى أنه ستكون هناك مشكلة للتفاوض مع “الإسرائيليين”. وقد عكس هذا الرأي أيضاً كما يقول سيجمان، حسن يوسف القيادي في الحركة بالضفة الغربية وهو الآن يقبع في السجون “الإسرائيلية”. وكان يقول: “لقد قبلنا مبدأ الموافقة على قيام دولة فلسطينية داخل حدود عام 1967”.
وكان إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد قد أعلن أخيراً أنه يوافق فقط بالوكالة إذا ما عاد أبومازن بشيء يقبله الفلسطينيون.
ويؤكد سيجمان أن حماس ستغير من مواقفها، ويشير إلى أن هذه الآراء تتناقض بشكل صارخ مع ميثاق حماس الصادر في 18 أغسطس/آب عام 1988 الذي يعتمد على مواقف متشددة ضد “إسرائيل”، لكنه يوضح أن ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية كان يتضمن من قبل مواقف ومشاعر معادية أيضاً ل “إسرائيل” وذلك قبل التوصل إلى اتفاقيات أوسلو. ويمضي سيجمان إلى حد أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن بعض الجماعات اليهودية بما فيها الأحزاب السياسية “الإسرائيلية” تؤيد التطهير العرقي لكل الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية. وكان هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق قد لاحظ ذلك في مقال أخير نشر له، ويقول فيه: إن الرفض وكذلك وصف العدو بأنه مثل شيطان يعتبران أموراً شائعة في النزاعات العرقية والسياسية، ويشير كيسنجر أيضاً إلى “أن اتباع المتطرفين السابقين لمواقف معتدلة بعد أن يدخلوا في عمليات سياسية ويتحملوا مسؤولية توفير الرفاهية لهؤلاء الذين أتوا بهم إلى السلطة ليس بالأمر المستبعد”.
ويزعم رئيس الحكومة “الإسرائيلية” الحالية أولمرت أنه لا يمكن قيام عملية سلام مع حكومة تتزعمها حماس، ولكن كاتب المقال يقول: إن بعض المراقبين الواسعي الاطلاع للنزاع الفلسطيني - “الإسرائيلي” يعتقدون بأنه ليس من الممكن التوصل إلى سلام دائم بين “إسرائيل” والفلسطينيين من دون مشاركة حماس، وكان إيفريم هاليفي الرئيس السابق للموساد قد أعلن منذ ثلاثة أعوام أي قبل فترة طويلة من توقع أي شخص بأن حماس يمكن أن تتولى رئاسة السلطة الفلسطينية أن “حماس تمثل نحو خمس المجتمع الفلسطيني، حيث إنهم يمثلون جماعة نشطة وواعية فإنهم يتمتعون بالمزيد من الوزن السياسي، لذلك فإن أي شخص يعتقد أنه من الممكن تجاهل عنصر محوري من هذا النوع في المجتمع الفلسطيني سيكون على خطأ”.
ويزيد هاليفي: “إن أي شخص يعتقد بأن حماس ستذوب وتختفي ذات يوم يعتبر أيضاً مخطئاً. وأن أبومازن رئيس الوزراء الفلسطيني (عندئذٍ) “لن يقتل” الآلاف من الفلسطينيين من أجل التغلب على الحركات الإسلامية. ويقول: “إن رأيي عندئذٍ هو أن الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها تجاه حماس هي اللجوء إلى القوة الوحشية ضد مواقفها الإرهابية ولكن ينبغي في الوقت نفسه أن نوضح لقيادتها السياسية والدينية أنه إذا ما اتخذوا موقفاً معتدلاً ودخلوا في نسيج المؤسسة الفلسطينية فإننا لن نعتبر ذلك بمثابة تطور سلبي”. ويقول هاليفي أيضاً: “انني أرى انه لن يكون هناك مجال لتفادي الحقيقة بأن حماس ستكون شريكاً في الحكومة الفلسطينية. وانني أعتقد بأنه إذا ما حدث ذلك فإنه ستتوفر الفرصة لكي تصبح حماس حركة مستأنسة وان قوتها المدمرة سيتم تقليصها”.
ومن ناحية أخرى، يقول المؤلف: ان حماس لا تؤيد إقامة “مملكة اسلامية” أو نظام الخلافة كما تدعو الى ذلك منظمة القاعدة. وتؤكد حماس على نحو واضح معارضتها لهذه الفكرة. وفي الوقت نفسه يؤكد سيجمان أن “اسرائيل” قد قامت بتوسيع نطاق حدودها بنسبة 50 في المائة خارج المناطق التي كانت محدودة لها وفقاً لقرارات التقسيم في عام ،1947 بينما نجد أن المنطقة المحددة للفلسطينيين قد تقلصت بالفعل بنحو 60 في المائة وذلك قبل ان نضع في الاعتبار المستوطنات والأراضي الأخرى التي صادرتها “اسرائيل” من الضفة الغربية.
وإذا ما أعلنت حماس انها ستقبل مشروعية “اسرائيل” ولكن فقط على نصف الأراضي التي تكون منها الدولة العبرية قبل حرب عام 1967 فإن مثل هذا الإعلان لن يؤخذ بالتأكيد على محمل الجد من قبل أي شخص في “اسرائيل” باعتباره يمثل اعترافاً بحق “اسرائيل” في الوجود. ولكن هذا هو ما رأى “الاسرائيليون” انه إعلان مقبول من جانب حكومتهم في ما يتعلق بمشروعية قيام دولة فلسطينية، وهي دولة سترغم الفلسطينيين أيضاً على الاعتراف ليس فقط بنصف حدود “اسرائيل” التي كانت قائمة قبل حرب عام 1967 وربما أكثر من ذلك بكثير. ولهذا فإن اسماعيل هنية كان قد أعلن أن اعتراف الفلسطينيين ب”اسرائيل” سيعتمد على “ما هي هذه الدولة الاسرائيلية” التي تطالب بمثل هذا الاعتراف. فهل هي “اسرائيل” داخل حدود ما قبل عام 1967 أو انها “اسرائيل” التي استولت على نصف الأراضي الفلسطينية المتبقية؟ وإذا كانت هذه الأخيرة هي المطلوب الاعتراف بها فإن حماس لن تعترف ب”اسرائيل”. وقال هنية انه الى حين يعرف الفلسطينيون أي نوع من دولة “اسرائيل” الأولى أو الثانية المطلوب منهم الاعتراف بها فإنهم لن يقوموا بالرد على مثل هذا المطلب الى ان تتضح الحقيقة. ويتساءل المؤلف: ما هو الأمر الذي يتسم بغير المعقولية في مثل هذا الموقف لحماس؟ وما هو أساس انتقاد “اسرائيل” وأمريكا لسياسة حماس التي تعكس بدقة تصور “اسرائيل” تجاه الدولة الفلسطينية؟
ولهذا فإن المقال يرى ان حكومة حماس لا تسعى الى ازالة “اسرائيل” وهو أمر يقول زعماء حماس انه لا يمثل مبادئهم الثابتة. ولكن سياسات “اسرائيل” التي تقوم على مبدأ تدمير الذات هي وحدها التي يمكن ان تؤدي الى ذلك.
ويؤكد المؤلف ان إصرار حماس على ضرورة الرد المتبادل يمثل الاجابة عن شرطين آخرين تطالب بهما “اسرائيل” للتعامل مع الفلسطينيين بقيادة حكومة حماس، أي قبول كل الاتفاقات السابقة والتخلي عن العنف. ولكن من المؤكد ان “الاسرائيليين” ليس بوسعهم ان يدركوا ن حماس لا تدرك ان “اسرائيل” لم تقتل الاتفاقات السابقة مع الفلسطينيين وكان شارون قد أوضح ان قبوله لخارطة الطريق سيكون مشروطاً بعدة تحفظات “اسرائيلية” يصل عددها الى 14 شرطاً. ومن أهم هذه الشروط التي ينبغي على “اسرائيل” الالتزام بها وفقاً لخارطة الطريق إنهاء سياسة المستوطنات وإزالة المستوطنات العشوائية غير المشروعة بعد ان “ينهي الفلسطينيون سياسة الارهاب”. ولكن “اسرائيل” أوضحت انها لن تفي بأي من هذه الالتزامات الى ان ينهي الفلسطينيون العنف والتحريض ضد “اسرائيل” وإزالة الأجهزة الارهابية. ولكن دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا تؤكد أن مصادرة “اسرائيل” لأجزاء كبيرة من الضفة الغربية تؤدي الى خرق للقانون الدولي ولخارطة الطريق ومقررات الأمم المتحدة. ولم يكن الناطقون باسم حماس وإنما كوندوليزا رايس هي التي قالت في مؤتمر صحافي أخير بعد لقائها في واشنطن مع وزيرة الخارجية “الاسرائيلية” ان “موقف أمريكا بالنسبة لسياسة “اسرائيل” الأحادية الجانب واضح جداً وسيظل كما هو، بحيث لا ينبغي على أي طرف أن يحدد على نحو انفرادي ما ستسفر عنه اتفاقية الحل النهائي”. وأكدت رايس أيضاً ان الرئيس بوش كان قد أكد ان المراكز الاستيطانية في الضفة الغربية “لا تقدم ترخيصاً لأي طرف لكي يحاول ان يفعل ذلك بطريقة استباقية لأن هذه قضايا ستكون ضمن المفاوضات الخاصة بالحل النهائي”.
وحول موضوع العنف فإن حماس كانت قد أعلنت منذ ما يزيد على عام فترة “تهدئة” وقامت بالفعل بالمحافظة على ذلك برغم ان “اسرائيل” استأنفت عمليات الاغتيال التي استهدفت فيها قياديين فلسطينيين وكانت “اسرائيل” قد قامت من قبل بوقف هذه السياسة كرد فعل على مبادرة حماس. وعرضت حماس الآن ان تلتزم بهدنة طويلة المدى ولا تزال تنتظر رد “اسرائيل” على ذلك كما تعيد المقالة الى الأذهان. وسواء تخلت حماس أم لا عن العنف والجناح الخاص بذلك أي كتائب عز الدين القسام فإنه من المرجح الى حد كبير ان حماس المسؤولة عن الحكم الآن وعن رفاهية الشعب الفلسطيني ستكون كياناً مختلفاً جداً عن حماس التي كانت في المعارضة للحكومة الفلسطينية من قبل. لأن حماس هي الحكومة الآن وهي تدرك انه ليس بوسعها ان تمارس الحكم وتتصرف في الوقت نفسه “كقوة ارهابية”.
والحقيقة هي انه إذا ما اعترفت حماس ب”اسرائيل” غداً وقامت أيضاً بالتخلص من “أجهزتها” فإنه لن يكون هناك أي احتمال ممكن لاستئناف عملية السلام من دون أن تمارس أمريكا ضغوطاً كبيرة على “اسرائيل”. وليس هناك أي أفق لحدوث ذلك. ويشدد سيجمان على ان “اسرائيل” قد مضت الى حد بعيد في قراراتها الانفرادية بحيث انها ستقوم مرة أخرى بالانخراط في عملية سلام ستتطلب موافقة الفلسطينيين على وجود “اسرائيلي” مستمر في الضفة الغربية. وبالتالي فإن حماس لن توافق على الدخول في عملية سلام تؤدي الى التخلي عن المبادئ الخاصة التي أقرتها الاتفاقيات السابقة والتي أكدها من جديد الرئيس الأمريكي جورج بوش والقمم الأوروبية.
ولكن انتصار حماس في الانتخابات التشريعية يمثل على نحو مثير للتناقض امكانية طريق عمل وفي النهاية المطلقة اتفاقا بين “اسرائيل” والفلسطينيين. وقد زادت فرص تحقيق ذلك ولم تتراجع فعلاً. ويرجع ذلك الى ان كلاً من حماس والحكومة “الاسرائيلية” تعتقد ان مصالحهما المتبادلة يمكن تحقيقها على أفضل وجه من خلال العودة السريعة الى عملية السلام. ولكن على ان تسبق ذلك فترة طويلة من التعايش السلمي غير المعلن بينهما. وإن عدم التعرض للضغوط الخاصة باستئناف العملية السلمية سيسمح ل”إسرائيل” بأن تواصل نواياها التي أعلنت عنها بالقيام بانسحابات إضافية أحادية من بعض مناطق الضفة الغربية التي تخضع لسيطرة “إسرائيل”، وبالتالي فإن “إسرائيل” ستحافظ على أغلبية ديموغرافية على الجانب “الإسرائيلي” من الحدود.
أما بالنسبة لحماس فإن تحقيق انسحابات “إسرائيلية” جديدة سيوفر الفترة التي تطلبها لاستئناف بناء المؤسسات الفلسطينية وكذلك عمليات إعادة التأهيل للحياة الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين التي كانت “إسرائيل” دمرتها من خلال احتلالها للأراضي الفلسطينية.
وعلى الجانب المقابل فإن فترة وقف إطلاق نار طويلة تكون بالنسبة “للإسرائيليين” متسعة مع إصرار شارون على أن تسبق مفاوضات المرحلة النهائية مرحلة من الترتيبات المؤقتة الطويلة الأمد. وكذلك فإن التوصل إلى فترة وقف إطلاق طويل للنيران ستكون بالنسبة لحماس أمراً يتمشى مع موقفها بأنها ليست مستعدة في هذه المرحلة لكي تقدم “لإسرائيل” ما هو أكثر من مجرد هدنة طويلة.
وهناك من المحللين من يتوقع أن يتم التوصل إلى اتفاق غير معلن بين “إسرائيل” وحماس في هذا المضمار، وإذا ما استمرت مثل هذه الترتيبات غير الرسمية فإنها قد تؤدي إلى اتفاقيات ثنائية وعن طريق التفاوض وأكثر وضوحاً في محتواها بين الجانبين وربما يؤدي ذلك كما يتكهن المؤلف إلى التوصل إلى معاهدة سلام بينهما لكن إذا ما تمت فقط مراعاة الجانبين لتنفيذ عدة شروط ينبغي في هذا الإطار أن تنفذ حماس هدنة كانت قد عرضتها وكذلك تمنع الإرهاب ليس فقط من جانب المتشددين التابعين لها ولكن أيضاً من جانب الجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى وغيرها من الجماعات التي تمارس العنف، ولكن لكي تنفذ “إسرائيل” ذلك ينبغي عليها أن توقف الاغتيالات ضد القياديين الفلسطينيين وكذلك عمليات التوغل داخل الأراضي الفلسطينية، والأهم من ذلك أن تعلن “إسرائيل” بشكل واضح أن الخطوط التي ستنسحب منها نتيجة للانسحابات الأحادية الجانب لن تمثل حدوداً دائمة وأن مثل هذه الحدود لن يتم إقرارها إلا عن طريق التفاوض مع الفلسطينيين، وإذا ما كان مثل هذا الإعلان يتمتع بالصدقية كما يطالب المؤلف فإنه يتعين على “إسرائيل” أن تتوقف عن ضم المزيد من الأراضي في الضفة الغربية لكي تؤكد على أن ما تقوم به من انسحابات مؤقتة ليس سوى خطوط “مؤقتة” والأمر المثير للمفارقة هو أن مثل هذه الترتيبات التي ستترك الباب مفتوحاً للتوصل إلى حل رسمي على نحو أكبر يؤدي إلى إنهاء الصراع بعد عدة أعوام سيكون على الأرجح غير ممكن إلا من خلال سلطة فلسطينية تتزعمها حركة حماس ويرجع ذلك إلى أن حماس يمكنها أن توضح على نحو له صدقية قبولها لفترة انتقالية وفقاً لما يتمشى مع رفضها الايديولوجي لتقديم تنازلات رسمية ل”إسرائيل” لا تستند على اعتراف “إسرائيل” بحقوق الفلسطينيين وعلى مبدأ التبادل المشترك للتنازلات من الجانبين، وفي الوقت نفسه يمكن لحماس أن تركز تلك الفترة الانتقالية على تطهير البيت الفلسطيني من الفساد الذي وقعت فيه فتح.
وبالرغم من أن حماس قد لا تبدي المرونة المطلوبة إلا أن البيانات الأخيرة للحركة عن أولوياتها الجديدة توضح بقوة أن هناك تغييراً في أفكار زعمائها يحدث حالياً بالفعل. ولكن المقال يحذر من محاولات “إسرائيل” تقويض حماس والإطاحة بحكومتها سيؤدي إلى تدمير إمكانية معرفة الحقيقة وكذلك فإن هذا يؤدي إلى تهديد أي إمكانات لبروز تيار الاعتدال داخل حركة حماس وقد حذر من ذلك بعض المستشارين الأمنيين “الإسرائيليين” بأنه إذا ما سعت حكومة “إسرائيل” إلى أن تفشل حكومة حماس من خلال محاولات عزلها والعمل على إسقاطها فإن الاخفاق والمصاعب التي يتعرض لها الفلسطينيون لن تكون قد جاءت بسبب تصرفات حماس ولكن بسبب ما يقوم به الغرب و”إسرائيل” معاً ضدها وسيؤدي هذا الاحتمال كما يحذر المقال إلى زيادة حدة الشقاق بين أمريكا والفلسطينيين وكذلك العالم الإسلامي، وأن ثمن هذا الفشل سيكون نهاية الحلم الخاص بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب “إسرائيل” وسيكون معنى ذلك فشل “إسرائيل” نفسها وزيادة عزلتها داخل منطقة الشرق الأوسط.

الاستيطان والبانتوستانت

يرى سيجمان ان أي قراءة لنوايا حماس وهي تتولى زعامة السلطة الفلسطينية يوضح لنا أن الفكرة القائلة ان ذلك سيكون معناه نهاية عملية السلام ليست إلا كلاماً فارغاً. ويقول ان عملية السلام لقيت حتفها عندما تولى ارييل شارون الحكم في عام 2000. ويؤكد انه من الأصح القول ان العملية قتلت بسبب الخطوات الأحادية التي اتخذها شارون التي نفذ بها الانسحاب “الإسرائيلي” من غزة. وقد وفر هذا الانسحاب غطاء بالتالي لاستمرار شارون في تنفيذ خطوات أحادية. وقد التزم شارون خلال الانسحاب بعدم التفاوض مع الفلسطينيين ولا تزال هذه الخطوات الأحادية تمثل طابع السياسة “الإسرائيلية” التي تقوم بمصادرة ما كان ينبغي ان يكون نصف أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة. ويصف سيجمان المناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون بأنها تشبه “البانتوستانت” التي كانت قائمة في جنوب افريقيا أثناء الحكم العنصري واستبعاد الأغلبية السوداء. وسيؤدي هذا الى أن تصبح الدولة الفلسطينية المقترحة بمثابة “أضحوكة وسخرية” بهذا الوعد بأن تكون “دولة مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة” وذلك وفقاً لما جاء في خارطة الطريق. ويحذر سيجمان من أن هذه التوجهات الأحادية لا تزال تمثل سياسة حزب كاديما الجديد الذي فاز في الانتخابات “الإسرائيلية”. الأخيرة.
ومن الواضح كما يعيد المؤلف الى الأذهان ان الحكومة “الإسرائيلية” قد قامت خلال الأعوام القليلة الماضية بقطع الضفة الغربية عن وادي نهر الأردن وحولت هذا الوادي الى منطقة يهودية. وقد قاد أولمرت ووزيرة خارجيته الحملة الدولية “الإسرائيلية” لعزل حماس وإسقاطها ما لم توقف وتتخلى عن مبدأ “المقاومة” ضد الاحتلال “الإسرائيلي”، وكذلك تعترف بحق “إسرائيل” في الوجود. ولكن المشكلة كما يقول سيجمان ان كلاً من أولمرت وليفيني من “أمراء الليكود” الذين كانوا أصلاً أبناء وبنات مؤسسي حركة “أرجون” الارهابية التي كانت تمارس العنف والإرهاب خلال الصراع اليهودي من أجل قيام “إسرائيل” وكذلك الرفض الكامل لمطالب الفلسطينيين في أي بقعة من فلسطين.
ويهاجم المؤلف أساليب الخداع التي تلجأ اليها حكومة “إسرائيل” لتضليل “الإسرائيليين” والآخرين حول ما ينوون عمله بالفعل إزاء المستوطنات وزيادتها وغيرها من السياسات الأحادية الجانب. ويحذر سيجمان من المد اليميني في “اسرائيل” الذي يطالب بالاحتفاظ بكتل استيطانية كبيرة داخل الأراضي الفلسطينية وعدم السماح للفلسطينيين بالتمتع بأي حقوق في القدس الشرقية. وسيكون معنى ذلك سيطرة “اسرائيل” على نصف أراضي الضفة. ومن المؤكد ان “اسرائيل” كما يقول الكاتب اليهودي المنصف تريد أن “تحتفظ بالكعكة وتأكلها في الوقت نفسه” أي انها لا تزال تطلب المستحيل. وينتقد سيجمان عدم استعداد الحكومات “الاسرائيلية” للتخلي عن الأراضي الفلسطينية في مقابل تحقيق السلام، وكذلك فإن تل أبيب لم تمهد السبيل لتحقيق حماس للانتصار. وقد حذر مدير ال “شين بيت” من (الاستخبارات الداخلية) آفي ديشتير الذي أصبح نجماً ساطعاً في كاديما من أنه عندما يقع العمل الارهابي القادم في “اسرائيل” فإن اسماعيل هنية سيكون هدفاً مناسباً للاغتيال من جانب القوات المسلحة “الاسرائيلية”. وكان شاؤول موفاز وزير الدفاع “الاسرائيلي” قد أعلن بعد ذلك ان كل أعضاء حركة حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني والبالغ عددهم 74 نائباً سيكونون هدفاً لعمليات اغتيال أيضاً.
ويشكك المؤلف في ان “اسرائيل” قد قبلت بالفعل حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وذلك وفقاً لما يراه معلقون “اسرائيليون” لأن التصرفات “الاسرائيلية” الأخيرة قد أوضحت عدم اقتناع المؤسسة الحاكمة في “اسرائيل” بحق الفلسطينيين فعلاً في إقامة دولة لأن المعروض عليهم لا يرقى الى مستوى قيام كيان مستقل وذات سيادة، وكذلك لأن “اسرائيل” لن تتخلى عن القدس والمستوطنات. وعلاوة على ذلك فإن الخطوات الأحادية الجانب التي اتخذتها “اسرائيل” تسحب البساط من تحت أقدام الفلسطينيين وكذلك ابتلاع أجزاء كبيرة من الأراضي التي كان من المفترض ان تكون ضمن حدود هذه الدولة الفلسطينية المقبلة.



فلسطين
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية