الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

هوغو تشافيز وياسر عرفات

                             
 
                                والانتصار لإرادة الشعوب
 
د. علاء أبو عامر

أستاذ العلاقات الدولية

  هوغو تشافيز الرئيس الفنزويلي المشاكس في زمن الركوع والمتحدي لقانون اللعبة السياسية لدول الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية ، يفوز ? 58% من أصوات المقترعين في الاستفتاء الشعبي على رئاسته لفنزويلا . هذا الخبر غير السار لأركان إدارة جورج بوش الابن من المحافظين الجدد ،  لهو مدلولاته وانعكاساته على صعيد السياسة الدولية بل والداخلية في دول العالم النامي فبعد أن تمكن معارضيه من  جمع مليون توقيع (وهي النسبة المطلوبة التي تخولهم بحسب الدستور طرح رئاسته على استفتاء الشعب ) . استطاع ومن خلال لعبة الديمقراطية حصرهم في الزاوية الضيقة وبذلك أثبت للعالم  أجمع أن شعبه متمسك به رغم أنف الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها المحليين .

" أمريكا للأمريكيين "  وفق مبدأ مونرو وهو ما يعني أنها محرمة على كل القوى الدولية عدا سيدة القارتين الأمريكيتين ويطبق هذا المبدأ منذ عشرات العقود من السنين فأمريكا تتحكم بمصير القارتين الشمالية والجنوبية في كافة النواحي الاقتصادية من خلال الكارتيلات الضخمة للشركات المتعددة الجنسيات و تتحكم في البلاد والعباد فتطيح بالزعيم الذي يرفض العبودية وتنصب الطغم العسكرية الخادمة التي تلبي مصالحها ومصالح شركاتها على حساب الشعب الذي جل أفراده من الفقراء .

اللعبة الخطيرة التي يمارسها تشافيز في زمن لم يعد فيه حامً لمن يتصدى لأمريكا وسياساتها من اللاعبين الصغار بعد سقوط القطب الشيوعي ومعسكره يكسبها الرجل من خلال إرادة شعبه الذي جدد الثقة به .

وكما كان متوقعاً فقد رفض أركان إدارة بوش وعملائهم في فنزويلا نتيجة الاستفتاء التي كانت مخيبة لأمالهم حيث سارعوا إلى التشكيك ، متهمين تشافيز وأنصاره بالتزوير بالرغم من تأكيد لجان المراقبة الدولية وعلى رأسها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بنزاهة الاستفتاء .. إن عدم اعتراف الإدارة الأمريكية وعملائها بالنتيجة التي حصلت . يعني فيما يعني أن الحرب سجال وأن مشاكل فنزويلا لن تنتهي عند هذه النقطة بل أن البلاد مقدمة على مرحلة جديدة من الأزمات التي ستلجأ فيها  المعارضة المدعومة أمريكياً إلى أساليب جديدة بعد أن فشلت الأساليب الحضارية في تحقيق مرادهم  فتشافيز في عرف المحافظين الجدد شخص غير مرغوب فيه كرئيس كونه لا يخضع لإرادة من يعتبرون أنفسهم أسياده وتشافيز العالم بمكنون صدورهم وما يخبئونه لبلاده لا يخفي بغضه للسياسة الأمريكية تجاه بلاده وتجاه بلدان العالم ومن ضمنها العراق وفلسطين وهو يعلن تحديه للولايات المتحدة الأمريكية بقوله : " أن فنزويلا لن تصبح مستوطنة أمريكية " ويضيف "إننا نوجه رسالة إلى الشعب الأميركي والى حكومته: ليس لدينا أي خطة لشن هجوم على واشنطن. ليس عندنا أي خطة لجعل الشعب الأميركي يتألم ولا حكومته ولكن اعلموا إننا نريد أن نكون أحرار ،  نريد أن تكون لنا مع الولايات المتحدة علاقات متوازنة كما كان الأمر مع الرئيس كلينتون". وأوضح "على الأقل مع الرئيس كلينتون كان بإمكاننا أن نتكلم" في إشارة إلى غياب الحوار مع جورج بوش الذي يصفه باستمرار في خطبه بأنه "شيطان".

تشافيز طائر مغرد خارج السرب ، ذاهب إلى الحج والناس راجعة ، في زمناً أصبح فيه تحدي إرادة الشيطان الأكبر وفق تعبير أية الله الخميني رحمه الله يعني في النتيجة الهزيمة و الاختباء في كهوف أفغانستان كما حصل مع الملا محمد عمر أو الاختباء في جحر تحت الأرض والوقوع في الأسر مع ما يصاحبه من إذلال كما حصل مع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين أو الحصار كما حصل لغيرهم من زعماء الدول .

ما حصل مع الرئيس هوغو تشافيز وما سيحصل في المستقبل نستطيع أن نتنبأ بنتائجه من الآن فذلك حاصل  مع الرئيس ياسر عرفات الرئيس المنتخب من شعبه والقائد الرمز المتمتع بالشرعية الثورية والشرعية الشعبية فهو أيضاً مرفوض أمريكيا وإسرائيلياً لأنه يرفض التنازل عن الثوابت الوطنية الفلسطينية المتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس .

كلا الزعيمين منتخب من شعبه وكلاهما يتحديان الولايات المتحدة الأمريكية وضغوطها عليهما بالإرادة الشعبية ، كلاهما يرفض العبودية ويتمسك بالمصالح الوطنية لشعبيهما ، يتفق الاثنين في وصف الحالة ويختلفان في المكان والجغرافيا  ، والفارق بينهما كبير أحدهم رئيس دولة في باطن أرضها بحيرة من النفط يستطيع إن أراد أن يهز الأسواق الدولية وعلى رأسها السوق الأمريكية مما سيعني التأثير على نتائج الانتخابات الأمريكية القادمة ، ( في وقت تحاول فيه الإدارة الحالية للبيت الأبيض التخفيف من وطأة الهجوم الذي تتعرض له بسبب المستنقع العراقي من قبل منافسيها الديمقراطيين ) .  بينما عرفات البارع في استخدام كل الوسائل وتجييرها للبقاء والاستمرار في إدارة الأمور رغم حجم الضغوط وتكالب الأعداء ليس إلا قائد وزعيم لإحدى أخر الحركات الثورية الوطنية التي تسعى من أجل الاستقلال والخلاص من أخر حلقات الاستعمار الغربي للمنطقة العربية " الحلقة الصهيونية " الأشد خطورة مما سبقها من حملات استعمارية كونها تستهدف الأرض والثقافة والإنسان والتاريخ  .

وإذا كان عداء أمريكا لهوغو تشافيز  لأنه نصير الفقراء والكادحين وصديق كاسترو الحميم وكونه ًيساري ماركسي التفكير والنزعة ،  فإن عدائها لياسر عرفات لا ينبع من هذه الاعتبارات حيث أن الأخير ليس ماركسياً بل ذو فكر وطني فلسطيني وعروبي وإسلامي معتدل  ذو بعد إنساني شامل ، فكل ما يسعى إليه هو حرية شعبه و أنعتاقه من ربقة الاحتلال والظلم .

يتشابه الرجلان في مناح كثيرة ويختلفان في بعضها الأخر ولكنهما انتصرا لإرادة شعبيهما وبذلك صمدا أمام ضغوط أكبر قوة عالمية وفي هذا الصمود أعطيا درساً لكل قادة العالم النامي بأن إرادة الشعوب لا يمكن قهرها ، فعلى زعماء العالم النامي أخذ العبرة من التجربتين والتي تتلخص في العبارة التالية : " أمنحوا شعوبكم الحرية والديمقراطية و خذوا في المقابل الحماية و خذوا مع الحماية المجد والخلود فأن تموت وطنياً شريفاً أفضل ألف مرة من أن تموت خائناً لأمال شعبك وطموحاته .

خرج الآلاف من الفلسطينيين  لحماية عرفات زمن حصار مقره في المقاطعة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية المدعومة أمريكياً وكثيرين منهم سقطوا بين قتيل وجريح وفي فنزويلا خرج الآلاف من أنصار تشافيز وحموا رئيسهم المنتخب الذي أراد عملاء واشنطن الإطاحة به وأعادوه إلى القصر رئيساً بإرادتهم في المرة الأولى وسقط منهم قتلى وجرحى وهاهم  يهزمون أعدائه بالديمقراطية نفسها التي تتشدق الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تسعى إلى تحقيقها هذه الديمقراطية التي ارتضاها أعداء تشافيز يرفضون الآن نتائجها لأنها مصيبة وقعت على رؤوسهم ، المطالبة بالديمقراطية ضرورية عندما تخدم أمريكا وعملائها ومرفوضة عندما تعبر عن الإرادة الوطنية للشعوب ، عرفات يقول لأعدائه من إقليمين ودوليين دعونا نجري الانتخابات اليوم لأثبت لكم كما أثبت دوماً أنني الزعيم وأنني الممثل الشرعي لشعبي وطموحاته .وهم يرفضون لأنهم يعلمون النتيجة وصدق أقواله .

عرفات وتشافيز شوكتان حادتين في حلق أعدائهما ، وسيبقيان في منصبيهما طالما بقيا مع مصالح شعبيهما فالدول تهزم من الداخل وليس بفعل الهجوم الخارجي وحده ..." فيفا تشافيز ، فيفا فنزويلا " والمجد لإرادة الشعوب المناضلة الرافضة للإذلال والخضوع ....

 

 


الشهيد القائد ياسر عرفات
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية