الموقع الشخصي للدكتور علاء أبوعامر
سياسة ، صحافة ، أخبار ، تقارير ، تحليلات ، دراسات ، قضايا دولية معاصرة

ماذا بعد قرار مجلس الأمن الأخير


د. علاء أبو عامر
أستاذ العلاقات الدولية

ربما يمثل قرار مجلس الأمن الأخير الذي صدر بتاريخ 2/9/2004 والخاص بالأوضاع في لبنان المسمار الأخير في نعش هيئة الأمم المتحدة التي ومنذ إنشائها كانت قد خرجت عن المبادئ والأهداف التي خلقت من أجلها فعلى مدى الأعوام التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية التي ولدت هذه الهيئة في نهايتها وحتى يومنا هذا كانت أداة طيعة بأيدي الدول الكبرى المؤسسة صاحبة حق النقض ( الفيتو ) في مجلس الأمن الدولي ولكن في عهد إدارة جورج بوش الابن ومحافظيه الجدد واللوبي الصهيوني المهيمن أصبحت هذه الهيئة الدولية وسيلة للنيل من حقوق العرب والمسلمين بشكل خاص بسبب سكوت أو خوف أو تواطأ القوى الكبرى الأخرى فمشروع القرار الأمريكي – البريطاني بغزو العراق وبالرغم من أنه لم يمرر في حينه من قبل روسيا وفرنسا والصين لاعتبارات سياسية وإستراتيجية خاصة بكل واحدة من هذه الدول حيث أنه كان يمثل في حال إقراره خرق فاضح للأعراف والمواثيق الدولية ، إلا أن هذه القوى وبعد احتلال العراق منحت الوجود العسكري الأمريكي والغربي الشرعية وشرعت لهذا الاحتلال إقامة حكومة عميلة كواجهة لتنفيذ مخططاته لا تملك من الأمر شيئاً و وافقت المنظمة الدولية على منحها مقعد العراق لتتحدث باسم الشعب العراقي هذا الشعب الذي يرفض وبأغلبيته الساحقة الاحتلال وأدواته و مازال يقاتل دفاعاً عن حريته رافضاً لوجود الاحتلال وعملائه .
إن أخطر ما في القرار الجديد هو تجاوزه الصريح والواضح لميثاق هيئة الأمم المتحدة إذا أنه ينص في جوهره على التدخل السافر في الشئون الداخلية لبلد مستقل ذو سيادة وعضو في المنظمة الدولية فمشروع القرار الأميركي - الفرنسي الذي دعمته أوروبا, يطالب بـ"انسحاب القوات السورية من دون تأخير من لبنان", ويدعو إلى "حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية كافة ونزع أسلحتها", ويدعم انتخابات رئاسية لبنانية "وفقاً للقواعد الدستورية اللبنانية من دون تدخل أو تأثير خارجي", ويضع آلية تمكّن المجلس من العودة إلى الموضوع بعد 30 يوماً لتقويم مدى الامتثال له وللنظر في إجراءات إضافية لاحقة.
ويحمل هذا القرار في طياته تناقضات وخلل خطير جداً فسوريا لم تمثل ولا تمثل اليوم قوة احتلال في لبنان بل دخلت إلى لبنان بطلب من الحكومة اللبنانية عام 1975 وحدد أتفاق الطائف أماكن وجودها وصلاحياتها فالمفروض إذاً أن الحكومة اللبنانية وفقاً للقانون الدولي صاحبة الحق الوحيد والمطلق في المطالبة بالانسحاب السوري من عدمه فهي دولة سيدة وليست قاصرة حتى يقوم غيرها بالطلب نيابة عنها و إصدار قرارات ملزمة لها في شأن داخلي لا يعني أحداً سوى الحكومة والشعب اللبناني وقد رفضت الدولة اللبنانية من خلال رئيسها وأعضاء حكومتها ومجلس نوابها وفعاليتها السياسية والشعبية هذا القرار باعتباره تدخلاً سافراًُ وغير مسبوق في شئونها الداخلية .
وحيث أن الولايات المتحدة وفرنسا هما الدولتين اللتين صاغتا مشروع هذا القرار وقدمتاه إلى مجلس الأمن فإن الموضوع يطرح العديد من علامات الاستفهام حول هذا التوافق العجيب بين دولتين أعتدنا أن نرى تنافراً في مصالحهما العربية على مدى السنوات القليلة الماضية هاتين الدولتين الاستعماريتين ما فتئتا تتدخلان و بقوة في الشئون الداخلية لدول العالم الثالث وتنصبا فيهما الحكومات العميلة على هواهما وما العراق وأفغانستان والعديد من دول أفريقيا السوداء إلا دليل واضح على مدى تورطهما في أعمال القذارة الدولية وانتهاك حرمات الشعوب .

***                                                                        

أن تدافع سوريا ولبنان عن أمنهما الداخلي في مواجهة دولة الاحتلال الصهيونية وعملائها يعني خروجا على قواعد اللعبة الدولية المرسومة للمنطقة في القرن الواحد والعشرين وعليه وحتى تمر مخططات الصهاينة باستباحة المنطقة يجب أن يفكا عقد هذا التحالف لأنه لا يخدم أهداف السياسة الأمريكية والغربية التي لا تريد أن ترى في العالم العربي إلا حدائق خلفية لدولة الاحتلال الصهيوني تديرها على هواها بالنيابة أو التناوب مع حكام العالم الجدد من الصهاينة والمتصهينين في البيت الأبيض الأمريكي .
الفقرة الثانية في مشروع القرار اشد سخفاً من الأولى إذ تعني فيما تعني الطلب من الحكومة اللبنانية الدخول في صدام مسلح مع المليشيات اللبنانية كحزب الله وحركة أمل وغيرها ومع فصائل حركة المقاومة الفلسطينية المتواجدة على الأراضي اللبنانية داخل المخيمات وهو مطلب لن تكون الدولة اللبنانية بقادرة على تنفيذه حتى لو أرادت وهي بالطبع لا تريد كون العدو الصهيوني مازال محتلاً للأرض اللبنانية ومازالت القضية الفلسطينية بكل أبعادها دون حل .
أما فيما يتعلق بالشق الثالث من مشروع القرار والداعي إلى عدم التدخل أو التأثير على الانتخابات الرئاسية اللبنانية فلا بد للمتابع لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه دول العالم إلا الاستهزاء بهذه الفقرة التي يجب أن توجه أول ما توجه إلى حكام البيت الأبيض وإداراته المتعاقبة فقد صرح " كولن باول " قبل أيام : " أن القوى المناوئة لن يسمح لها بإعاقة أو كسب الانتخابات سواء في العراق أو أفغانستان " . والأمر لا يقتصر على هذان البلدين اللذان مازالا يخضعان للاحتلال الأمريكي والغربي فحسب بل إن ما شهدته فنزويلا من تدخل في شئونها الداخلية عبر محاولة إقصاء رئيسها وتغيير الأنظمة المنتخبة ديمقراطياً في بنما وغرينادا وغيرها من أنظمة الحكم في دول أمريكا اللاتينية لخير دليل على مدى استهتار السياسة الأمريكية بإرادة الشعوب عندما لا تتوافق هذه الإرادة من مصالحها و حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومحاولة إقصاءه من خلال خلق حركات تمرد لسلطته في الساحة الفلسطينية لخير دليل على مدى مصداقية هذه الإدارة ونزاهتها على صعيد العلاقات الدولية .
و يبقى سؤال لماذا هذا القرار وفي هذا الوقت بالذات هل يعني ذلك أنه بداية لتدخل عسكري أمريكي غربي ضد سوريا ؟ الجواب: قد يكون ذلك هو الهدف الإستراتيجي المؤجل حتى العام القادم خصوصاً إذا بقيت الإدارة الأمريكية الحالية في السلطة ، أما في الظروف الراهنة وفي حال إصرار سوريا وحلفائها في لبنان على مشروعهم القاضي بالتمديد ثلاث سنوات أخرى للرئيس إميل لحود فالمتوقع على أقل تقدير إطلاق يد إسرائيل ضد سوريا ولبنان من خلال القصف الجوي والصاروخي المكثف لبعض الأهداف العسكرية والإستراتيجية الهامة داخل العمق السوري وعلى استهداف القوات السورية المتواجدة على الأرض اللبنانية و سيكون الهدف من وراء ذلك هو الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد كي يسحب قواته من لبنان وسيتم ذلك العدوان الإسرائيلي بكل تأكيد ضمن مساهمة سياسية وتغطية إعلامية أمريكية – أوروبية مباركة وداعمة لهذا العدوان.
ولكن المتوقع في المقابل من سوريا وحلفائها في لبنان الرد وبحزم على هذا العدوان من خلال تسخين الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية وعلى طول الحدود من خلال استخدام صواريخ قادرة على ضرب بعض المواقع في عمق الكيان الصهيوني وهو ما يعني إن حصل نهاية التفاهم الإسرائيلي السوري اللبناني حول الخط الأزرق والذي ظل صامداً رغم الخروقات البسيطة المتكررة من قبل الطرفين ( حزب الله وإسرائيل ) ودخول المنطقة في مرحلة جديدة من دورة العنف التي لن يكون هناك بلد في المنطقة في منأى عنها ، وهذا ما تريده الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة فهذه ستكون الفرصة التي تبحث عنها حتى تتهرب بالكامل من كل الاستحقاقات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وستنهي الأزمات الداخلية التي تعصف بها ولو إلى حين ،،، ولكن يبقى هناك سؤال بلا جواب وهو لماذا فعلت فرنسا ما فعلت ؟؟ وهل فقد شيراك البوصلة وأصبح يسير في ركب السياسة العدوانية الأمريكية الإسرائيلية المعادية للعرب ؟؟ أم أن حلفاء فرنسا في لبنان هم السبب ؟ سؤال ستجيب عنه الأيام القادمة التي يبدو وللأسف أنها قاتمة على العرب جميعاً...
dralaaabuamer@hotmail.com

 


صحيفة دنيا الوطن
http://www.alwatanvoice.com


 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية